يعالج مسلسل"الطريق الوعر" موضوع العنف والتطرف بقدر من الكثافة والتركيز غير مسبوق في الأعمال الدرامية الكثيرة، وسيجعله هذا موضوعا فكريا ودراسيا أكثر مما هو دراما تقوم على السرد والصور والتفاصيل الشاملة واليومية والبعيدة غالبا عن موضوع محدد، وهي تجربة ربما تكون جديدة في الدراما العربية، وإن سبقت الرواية العربية إلى ذلك في موجة التحول التي شهدتها الرواية، وحولتها من السرد التقليدي والاعتماد على الحدث إلى عمل دراسي وفلسفي وفكري.
وقد تجنبت الدراما هذا النوع من الرواية لصعوبة معالجته وفقدانه جوانب الترفيه والتشويق والمفاجأة، ولكن النجاح الكبير الذي حققته الرواية وبخاصة بعد تطويرها لتجمع بين السرد والتفاصيل وبين الدراسة والتوثيق والفكر والفلسفة والعلم جعل تحول الدراما لتواكب هذا النضج الروائي أمرا حتميا لأنه لا يعقل أن تتخلف الدراما عن الرواية أو تبقى في مرحلة أصبحت سابقة وتعد سطحية وساذجة.
ولذلك فإنه يسجل لمسلسل "الطريق الوعر" أنه بداية عربية لتحويل الدراما إلى مصدر للمعرفة وعمل روائي وفكري فلسفي، وإنهاء مرحلة السرد السطحي والترفيهي ومحاولة مواكبة الرواية الحديثة، وبالطبع فإنها بداية محفوفة بالمغامرة والمخاطر والتجريب، بخاصة أنها تناولت موضوعا معقدا وملتبسا يتكون من قضايا متنوعة ومختلفة وإن كانت تسمى جميعها "العنف والتطرف".
فالعنف يختلف عن بعضه اختلافا كبيرا حسب الأمكنة: أفغانستان، العراق، الجزائر، مصر، السعودية، أو في أوروبا والولايات المتحدة مرورا بدول عربية وإسلامية أخرى شهدت حالات محدودة من العنف والتطرف، فهو في كل بلد حالة مختلفة في فكره ودوافعه وعلاقاته والبيئة المحيطة به والمشكلة له، وفي تفسيره أيضا، ويختلف عن بعضه وفق الجماعات والأفكار والتاريخ.
يحاول جمال أبو حمدان أن يتناول الإرهاب باعتباره ظاهرة عربية عامة، ويدعو المشاهد على نحو ما إلى الخروج من ربط الأحداث بمكان أو دولة والنظر إليه عربيا، وساعد على ذلك وإن لم يكن مقصودا، أن العمل هو أردني قطري سوري، فقد أنتجه تلفزيون قطر ونفذه المركز العربي في عمان، وشارك في التمثيل فريق من الممثلين الأردنيين والسوريين، والمؤلف نفسه أردني سوري، والأحداث التي عالجها المسلسل تشبه أحداثا بعضها وقع في مصر وبعضها في السعودية، ولكن بيئة التحقيق الأمني القائمة على التداخل والانفتاح والتسامح(نسبيا) ربما تكون أردنية بامتياز، وهو منهج وإن كان يتجنب إشكالية الإسقاط والمقارنة والمحاسبة المعرفية وربما القانونية فإنه يضعف محاولة فهم الظاهرة موضوع المسلسل ومحاكمتها.
وربما يكون السؤال الأكثر أهمية وإلحاحا متعلقا بالفئة المستهدفة من المسلسل وكيف يخاطب، فإن كان الهدف أن يفهم الرأي العام الظاهرة ويتخذ منها موقفا صحيحا، فيجب ألا نتوقع منه أن يتقبل هذا النوع من الخطاب الخالي تقريبا من الأنسنة، والذي "يشيطن" جماعات العنف و"يملئك" (من الملائكية) السلطة، فمن المعلوم بداهة، ويجب أن نقر بهذه المسألة أن العنف والتطرف يحظى بنسبة عالية من التأييد والتعاطف في الرأي العام العربي والإسلامي، وإن كان ذلك يتفاوت من قضية إلى أخرى ومن بلد إلى آخر، كما أن التطرف في أبسط فهم له أنه استخدام خاطئ لنصوص وأفكار صحيحة، وهذا مصدر اللبس والإشكالية، وهو أيضا مصدر التأييد والتعاطف، وتشكل قاعدة فكرية وشعبية واسعة قائمة على كثير من الأفكار والجماعات والممارسات السائدة والتي تحظى بقبول واسع، ولا يمكن مع الموافقة على الانحراف والغلو في جماعات العنف والتطرف تجاهل السياق العام المحيط بهذه الجماعات وممارساتها ومواقفها، وحالة السلطة العربية التي أقل ما يقال فيها إنها لا تحظى بتأييد شعبي واسع وكاف لقبول رأيها ،وموقفا حتى وإن كان صائبا.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد