فقر النخب
كلما حان وقت اختيار رئيس وزراء جديد عادت الحيرة لتحتل مكانها في عقول من يعنيهم الأمر. الوضع يصبح أكثر تعقيدا عند التفكير في الوزراء.
اليوم، لدينا آلية مختلفة، ومن سيرشح اسم رئيس الوزراء هي الكتل البرلمانية، وسيبدأ حوار ماراثوني مع مؤسسة الديوان، لحسم الاختيار.
والفكرة جديدة وليست سهلة التطبيق، وفيها تحد لقدرة النواب على طرح أسماء ترضي الطموح الشعبي، وتقدر على تحمل مسؤوليات المرحلة الكبيرة.
لا توجد أسماء كثيرة تتداول لموقع الرئيس، وكل ما قيل في الفترة الماضية اقتصر على محاولة الوسط الإسلامي طرح اسم الدكتور عبداللطيف عربيات لتولي الموقع، وهذا الخيار حسم مبكرا، ما يعيدنا إلى المربع الأول من الحيرة في اختيار رئيس وزراء.
الأسماء المطروحة محدودة، وفرص رئيس الوزراء الحالي الدكتور عبدالله النسور ما تزال حاضرة، رغم موقف النواب الجدد من كل الأسماء القديمة لرئاسة النواب والحكومة.
أزمة اختيار رئيس للوزراء ليست وليدة المرحلة، بل هي نتاج سنوات من تعطل "ماكينة إنتاج النخب".
البدء كان من التدمير الممنهج الذي حل بقطاع التعليم المدرسي والعالي؛ إذ نرى اليوم طلبة توجيهي "أميين"، وخريجي جامعات مستواهم يولّد الحزن قبل الغضب، وحملة "دكتوراه" غير مؤهلين إلا لحمل اللقب الذي يوفر له "برستيجا" اجتماعيا، لكنه لا يفرض احترامهم في عقول طلابهم.
تراجع التعليم لدرجة لم يعد لدينا طلبة مؤهلون لدخول معترك الحياة، وكل العلم الذي يتلقونه لا يعينهم على بناء خبرات تراكمية تؤهلهم، لشغل مواقع عامة رسمية أو حتى خاصة.
الأحزاب كانت هي الأخرى مصدرا غنيا لتصدير القيادات، لكن إضعافها وتشرذمها أدى إلى ذات النتيجة، إذ لم تعد هذه المؤسسة قادرة على لعب هذا الدور.
وما عمق ضعف القدرة على توليد النخب بشكل رئيسي، قانون الانتخاب القائم على الصوت الواحد الذي طبق منذ العام 1993، إذ لم يعد مجلس النواب يضم أفضل ما عندنا من ساسة وقيادات.
الوضع صار أكثر سوءا خلال السنوات الخمس الأخيرة، حينما استمرأت الجهات المعنية تزوير الانتخابات، وهندست لنا مجالس نواب، كان محظوظا من خرج منها بالسمعة الطيبة.
الجهاز البيروقراطي كان مصدرا مهما لتخريج النخب، يوم كان صارما، ومنتجا، ويعتمد على معايير الكفاءة والخبرات، وليس التوريث والواسطة والعلاقات العامة.
أوضاع القطاع العام اليوم محزنة ومأساوية، فالإنتاجية شبه معدومة، والواسطة على أشدها، رغم أن توليد المؤسسات المستقلة، ولد نخبا "مفبركة" لم تملأ الفراغ الذي تركه ترهل القطاع العام.
لا يعني ذلك أننا نعدم الخير في الأردنيين، بل هناك كثير من الكفاءات والخبراء، لكن تقديمهم للمجتمع وللرأي العام يتطلب إحياء أدوات ووسائل معطلة في الوقت الحالي.
لو بحثنا في أسباب الظاهرة بعمق لوصلنا إلى نتيجة واحدة، مفادها أن تداخل أدوار المؤسسات، وتراجع الحياة الديمقراطية والحزبية، جعلنا دولة فقيرة النخب، الأمر الذي انعكس على مستوى الأداء العام.
وإعادة تدوير عجلة إنتاج النخب يتطلب، وجود قانون انتخاب ديمقراطي، يعكس طموحات المجتمع بالتغيير، ورفع الوصاية عن الحياة الحزبية، كخطوات تحقق نتائج سريعة.
أما "نفض" قطاع التعليم فتأثيره لا يتوقف عند إعداد نخب وقيادات تستعيد ثقة المجتمع، بل إنه يمتد ليغير كل المشهد، ويقلل من التراجع الذي منيت به الحياة العامة بكل تفاصيلها.
بقلم جمانة غنيمات.
المراجع
jo24.net
التصانيف
جمانة غنيمات صحافة الآداب العلوم الاجتماعية