سأل مسلمة بن عبدالملك بن مروان أحد الشعراء في البلاط الأموي: هل مدحت فلانا؟ قال: قد فعلت، قال: أو حرمك؟ قال: قد فعل، قال: فهل هجوته؟ قال: لم أفعل، قال: ولم؟ قال: لأني كنت أحق بالهجاء منه، إذ رأيته موضعا لمدحي. فقال له مسلمة: اسألني، قال: لا أفعل، قال: ولم؟ قال: لأن كفك بالعطاء أجود من لساني.
يزخر التراث العربي بقصص الإجابات السريعة الحاضرة والذكية، وهي من مهارات الذكاء والفطنة التي تعطي صاحبها فرصا للتفوق في العمل والإدارة والمناظرة والتعبير. وبرغم أن فهم البديهة سائد في الإجابة الحاضرة ووضوح الأفكار وقوة الحجة، فإنها قد تكون أقرب إلى المنطق والرياضيات وفلسفة العلم. والبداهة في اللغة تعني البدء أو أول الشيء، أي الأسس والقواعد التي يتفق عليها، وتعد حقيقة بينة بذاتها.
ومن حكم العرب وأقوالهم في البداهة: البلاغة هي حسن الإيجاز، وألا تبطئ ولا تخطئ.ودخلت بثينة، صاحبة الشاعر العاشق جميل، على عبدالملك بن مروان، فقال لها: يا بثينة، ما أرى فيك شيئا مما كان يقوله جميل فيك، فقالت: يا أمير المؤمنين إنه كان يرنو إلي بعينين ليستا في رأسك.
وسئل الأعمش اللغوي الشهير: لم عُمشت عيناك؟ فقال: من النظر إلى الثقلاء.ودخل الوليد بن يزيد على الخليفة هشام بن عبدالملك، وقد لبس عمامة بألف درهم، فقال له هشام: سبحان الله، عمامة بألف درهم؟ فقال الوليد: نعم، إنها لرأسي أكرم أطرافي، وقد اشتريت جارية بعشرة آلاف درهم لأخس أطرافك.
ودخل سائل على جماعة من العلماء والفقهاء يتحلقون في جامع البصرة، فقال له أحدهم: يا هذا، لقد نزلت بواد غير ذي زرع، فقال السائل: نعم، ولكن يجبى إليه من ثمرات كل شيء، فضحك القوم وأعطوه.
ارتبطت البداهة بسرعة الجواب وذكائه، لكنها أيضا تأتي في التصرف الذكي والحيل واستخدام الفرص والخروج من الأزمات والورطات. وهي تعتمد على التفكير السريع، والتمييز بين المواقف. وقد يكون الصمت أذكى من الإجابة، إذ قالت العرب: الصمت يؤدي إلى السلامة، وتحتاج إلى التعرف على نتائج الموقف، فقد يؤدي التصرف والقول السريع إلى أذى النفس.
وقد تبدو البداهة موهبة عفوية وتلقائية وثابتة، إلا أنه يمكن التدرب عليها واكتسابها بمواصلة التأمل والتفكير الذاتي، وتنمية الإبداع ببطء وحزم، واستيعاب المسائل وإدراكها، وتخزين المعلومات والمواقف والأفكار استعدادا للفرصة المناسبة، واليقظة المتواصلة للتفاصيل والبيئة المحيطة، والتركيز على المشاهد والأحداث، وتنمية الذاكرة والتذكر والقدرة على استحضار المعلومات والأمثلة، وتنظيمها في الذهن في عملية انكفاء على الذات متواصلة ومركزة.
والذاكرة تنمو وتزدهر بالقراءة المتواصلة المنظمة، والتعود على الاسترخاء مع القراءة، والتقليل من الكسل و"التنبلة" البصرية (مشاهدة التلفزيون والثرثرة)، وإلزام النفس بالانتباه والثراء الروحي والنفسي، وألعاب الذاكرة والتركيز.
والتفكير مهارة يمكن التدرب عليها ذاتيا، بالتأمل والعزلة العلمية والصمت الطويل العميق، ومواصلة القراءة والكتابة، ليس فقط لتنمية الذكاء والبداهة، ولكن لتجنب الخرف مع تقدم السن، والتفاؤل المتواصل والعميق، والسعي إلى حل المشكلات القائمة، العملية والعلمية والاجتماعية، والتفكير بالحلول والبدائل والافتراضات والترجيحات في عملية متواصلة ودائمة في أثناء العمل وقيادة السيارة والاسترخاء، فيتكون رصيد متراكم من الأفكار والحلول والبدائل، ويتمكن العقل عند الحاجة من إجراء عمليات سريعة في المواقف اللازمة للافتراضات والأسئلة والإجابات والردود وترجيح إحداها.
ومن مواقف الخوف والتخلص منها في التراث، عندما يقع أحد الخارجين أو المطلوبين بين يدي السلطان، أن قال هارون الرشيد لأحد هؤلاء: ما تريد أن أصنع بك؟ فقال: ما تريد أن يصنع بك رب السماوات والأرض حين تقف بين يديه، فعفا عنه الرشيد، ولكن الحاشية أوغرت صدره عليه، فرده، فقال له: يا أمير المؤمنين، لا تطعهم، فلو أطاع الله فيك خلقه ما ولاك عليهم، فعجب من فطنته وذكائه وأطلقه.
وفي سرعة البديهة، الرد على الاتهام والظلم بأذى مقابل. وقد أراد الربيع، وزير الخليفة العباسي المهدي، أن يؤذي القاضي شُريك، المشهور بذكائه وعلمه وجرأته أيضا، فقال الوزير للقاضي: بلغني أنك خنت أمير المؤمنين، فقال شريك: لا تقل ذلك، لو فعلنا لأتاك نصيبك.
وتخاصم أبو الأسود الدؤلي، اللغوي المشهور وواضع النحو، مع امرأته إلى القاضي على غلامهما، أيهما أحق بحضانته، فقالت المرآة: أنا أحق بحضانته، لأني حملته تسعة أشهر، ثم وضعته، ثم أرضعته، وترعرع بين أحضاني حتى صار كما تراه مراهقا.قال أبو الأسود: حملته قبل أن تحمله، ووضعته قبل أن تضعه، فإن كان لها بعض الحق فيه، فإن لي الحق كله أو جله.فقالت المرآة: لئن حمله خفا، فقد حملته ثقلا، ولئن وضعه شهوة، فقد وضعته كرها.فقال القاضي لأبي الأسود: ادفع إلى المرآة غلامها ودعني من سجعك.
وقال عمر بن عبد العزيز، عندما ولي الخلافة، لعبد الله بن مخزوم: إني أخاف الله فيما تقلدت، قال: لست أخاف عليك أن تخاف، وإنما أخاف ألا تخاف.وقرع أعرابي باب دار، فرد عليه صاحبها: ليس ها هنا أحد، فقال الإعرابي: إنك لأحد لو جعل الله فيك بركة.
ووقع نزاع بين الشيعة والسنة في حضرة العالم الفقيه ابن الجوزي في أيهما أفضل: أبو بكر أم علي؟ واحتد النزاع، ورضوا فيما بينهم بما يجيب الشيخ، فقال: أفضلهما من كانت ابنته زوجته، فقال الشيعة: يقصد عليا، لأنه زوج فاطمة ابنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال أهل السنة: يقصد أبا بكر، لأن ابنته عائشة كانت زوجة الرسول.
وسأل ثعلب النحوي صديقا له:هل الظبي معرفة أم نكرة؟ فقال: تسألني وأنت إمام النحو، فقال: إنما أريد جوابك، فقال: إن كان الظبي مشويا على المائدة فهو معرفة، وإن كان نافرا في الصحراء فهو نكرة وأي نكرة!
وأخيرا، فقد كانت هذه القصص من كتاب الدكتور عبدالقادر الشيخلي "مهارة سرعة البديهة" الصادر مؤخرا في الرياض.
وهو يعتقد أن البديهة يمكن التدرب ذاتيا عليها، بالاستعداد العقلي واللغوي والنفسي، ويقترح أيضا ثماني خطوات للتدريب العملي، تبدأ بالتفاؤل، وقراءة القرآن وإتقانه، والحفظ وتنشيط الذاكرة، والاستماع، وملاحظة النموذج الأدائي، والتفكير السليم، وتنمية النضوج العقلي، واستقطاب عناصر التفكير الإبداعي، وتوفير الظروف الشخصية والبيئية.وعناصر التفكير الإبداعي كما يراها هي: الأصالة، والطلاقة في التعبير والتداعيات والأفكار والمشكلات والأشكال، والمرونة، وملاحظة المشكلات.ويقول إن العملية ليست صعبة، ويمكن تعلمها.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد