يتميز بائع الصحف على الإشارات الضوئية في بغداد بأنه من بين المجموعة الكبيرة التي استطلعت آراءها إذاعة الـ"بي بي سي" (B.B.C.)، ومن بين مستويات عدة اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية يعتقد بأنه يتحكم بعالمه، وأنه صاحب القرار في تنظيم حياته وأسرته، وأنه يتخذ قراراته ويخطط مستقلا لنفسه ولعائلته.
والواقع أنه تحقيق ملفت وممتع، ويدعو إلى التفكير والمراجعة. فالفكرة النهائية التي يمكن الخروج بها من الاستماع إلى آراء المشاركين هي أن العالم شبكة يساهم كل عضو فيها بالتحكم بهذا العالم، فلا أحد -فردا أو جماعة أو حكومة- يستقل بتحديد مصيره.
القوانين والتشريعات والسلطة، وقوانين الكون والحياة والعمل والإنتاج، والمرض والموت والسعادة والرضا والحزن والاكتئاب، والجماعات والنقابات والأحزاب والمجتمعات والأسر، والرغبات والطموحات والاحتياجات والدوافع والمصالح، والعلاقات والحب والكراهية، والتاريخ والجغرافيا والمناخ والبيئة، والثقافة والعادات والتقاليد، والعقيدة والأخلاق، والماضي والحاضر والمستقبل، والحرب والسلام، والعدل والأمن، والحكام والمدراء وأصحاب العمل ورؤساء التحرير، والأصدقاء والشلل والشركاء والأبناء والزوجات، والشاي والقهوة والشوكولا والتبغ والكافيين والنيكوتين، والكحول والمخدرات، والعلم والجهل، والتمدن والتريف والبداوة، والغنى والفقر، والغذاء والسكن، والكرامة والحرية والاستبداد، ونمط الحياة ومستوى المعيشة، والنجوم والمجرات والأبراج، والحركة والسكون، والتغير والثبات، والنسبية أولا وأخيرا، وغير ذلك من منظومة شبكية نتحكم من خلالها بالعالم ويتحكم بنا.
فالفرد الإنساني يبدو وكأنه جزء مستقل في هذا الكون، ويتخذ له مدارا خاصا به، فتدور حوله مجموعات أخرى في الكون ويدور حول مركز آخر، ويشارك مع النجوم والمجرات في نظام كوني يسعى إلى الاستقرار والتوازن. وربما لا تكون ثمة معرفة تكفي لفهم الإنسان باعتباره نمطا أو جزءا من الأحياء والكون؛ فكل فرد هو كيان ومنظومة تحتاج إلى معرفة وفهم، ولا ينطبق عليه ما يعرف عن الآخرين مهما كانت الأشياء والقواعد المشتركة بين الناس. فحجم الاختلاف وإن كانت نسبته ضئيلة في المجموع المكون، إلا أنه يكفي لنفي وجود قاعدة واحدة لفهم الناس تصلح للاستخدام والقياس والفهم، ذلك أن التشابه البيولوجي بين الإنسان والحيوان يصل إلى 98%، ولكن تلك النسبة المتبقية على ضآلتها تفسر قدرا هائلا من الاختلافات والإنجازات؛ والتقدم والعلم والأخلاق والتقنية وكل ما لدى البشرية يقع في الـ2% المتبقية، والفرق بين كل فرد وآخر يفسر قدرا كبيرا لا نهائيا من العوالم والمؤثرات.
والإنسان يفترض أن يرتقي دائما، وقد يواصل ارتقاءه حتى يخرج من نطاق الجاذبية، ويجد له مدارا في الكون مستقلا عن الأرض. والقرآن الكريم يجعل الارتقاء مطلبا وفرضا، والاتجاه إلى الأرض موضعا للذم، قال تعالى: "واتل عليهم نبأ الذي آيتناه آياتنا فانسلخ منها واتبع هواه، ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض". إنك عندما تسير على قدميك تركل الكرة الأرضية وتدفعها إلى مسافة يمكن احتسابها.
وعودة إلى استطلاع الرأي الذي أجراه معهد غالوب لصالح الـ"بي بي سي"، وشمل 50 ألف شخص في 68 بلدا، فإن غالبية من سكان العالم لا يعتقدون أن بلادهم تدار بإرادة شعوبها، ونسبة مقاربة للنصف تقول إن الانتخابات التي تجرى لديهم "حرة ونزيهة".
ويظهر الاستطلاع أن المفكرين(من كتاب وأكاديميين) هم الفئة التي تحظى برغبة النسبة الأكبر من الأفراد لإيلائها المزيد من السلطة، وجاء في المرتبة الثانية الزعماء الدينيون ثم الجيش، وأصحاب الأعمال، والصحافيون. ومازالت الأسرة هي صاحبة أعظم تأثير على البشر، وهوية المواطنة مازالت قوية، ويليها الدين.
ومن الملفت للانتباه أن الثقة بالزعماء الدينيين هي أكثر ما تكون في إفريقيا ثم أميركا الشمالية، وكذلك فإن الشعور بالدين كهوية وثقافة هو أعلى ما يكون في إفريقيا ثم أميركا الشمالية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد