ما سر الجفاء؟ 

استقبل الكركيون رئيس الوزراء د. عبدالله النسور، بكثير غضب وقليل ترحاب. إذ قام العشرات من المواطنين بالاحتجاج، قبيل وأثناء زيارة الرئيس النسور لمحافظة الكرك؛وتجمع عشرات المحتجين والرافضين لزيارة الرئيس في مدينة المزار الجنوبي، حيث أشعلوا إطارات المركبات في منتصف الشارع العام المؤدي إلى وسط المدينة، تعبيرا عن رفضهم للزيارة.

 

أشكال الرفض عند الكركيين اختلفت؛ بعضها مقبول، لكن بعضها الآخر غريب عنا، وكان حتى فترة وجيزة مرفوضا مجتمعيا، ومنبوذا في منظومة القيم التي تحكم العلاقة بين المسؤول والمواطن. فالملاحظ في أساليب التعبير أنها تكسر بعمق تلك التقاليد التي تحكم علاقة المجتمع بالحكومة، الأمر الذي يعني تغيّرا عميقا في إدراك المجتمع لماهية هذه العلاقة؛ فيما الحكومات تظن أن لا شيء تغير منذ تأسيس الدولة.

 

في زمن مضى، كان الناس يتجمهرون مهللين ومرحبين بالحكومة ورئيسها، وكانت الخطابات تنطلق تعبيرا عن تقدير زيارة رسمية.

 

 لكن الترحاب رحل، وصار جزءا من الماضي. وهي مسألة يلزم التفكير فيها بعمق، لتشخيص أين وصلت علاقة الحكومات بالناس، ليس خارج عمان فحسب، بل داخل العاصمة أيضا. عدد المحتجين في الكرك لم يكن كبيرا، لكن مسلكهم يعكس، بالتأكيد، أجواء عامة ومشاعر شعبية، ويعبر عن ماهية العلاقة بين المجتمع والحكومات، وكم اختلفت خلال العامين الماضيين بالتحديد.

 

قصة العدد مسألة تناقش دائما، لكن قلته لا تعني بالضرورة أن الغالبية الصامتة غير راضية أو حتى قابلة، في المقابل، لهكذا فعل. والأخذ بمؤشر العدد لقياس مدى تمثيل مثل هذه التصرفات، لا يقدم صورة واضحة وحقيقية عن أعماق الناس وقناعاتهم تجاه الوضع العام.

 

النسور مشهود له بالنزاهة، ولا يحتاج إلى شهادة بنظافة يده التي لم تتطاول على المال العام، رغم أنه خدم في كثير من المواقع العامة. وهو أيضا سياسي مراوغ، ينتسب إلى جيل السياسيين القدامى الذين ما يزال الناس يذكرونهم بالخير. 

 

وهو يمتلك رؤية سياسية، وكان قريبا من نبض الشارع حتى لحظة مغادرته قبة البرلمان مرتحلا إلى الدوار الرابع. مع كل ذلك، لا تجد شعبية عند العامّة تتناسب ومواصفات الرئيس العامة تلك.

 

إذن، أين المشكلة؟ وما سرّ الجفاء بين الناس والرئيس؟ وكيف وصلت العلاقة بين المجتمع والحكومة إلى هذا الحد من التوتر؟ ولماذا تتسع الفجوة بين الطرفين، طالما أن النسور مختلف عمن سبقوه في رئاسة الحكومة؟

 

النظرة إلى النسور لا تعكس بالضرورة موقفا من الرجل بشخصه، بل هي تعبير عن الاحتجاج على كل ما هو رسمي، وانعكاس لعدم الرضا عن أداء الحكومات المتراكم على مدى سنوات. 

 

فما يواجهه النسور اليوم يرتبط بشكل جزئي ببرنامج عمله السياسي والاقتصادي، لكنه أيضا نتاج مماطلة الحكومات على صعيد الإصلاح، إذ لم تقدم بيّنات تقنع الرأي العام بأن المنجزات المتراكمة كافية.
الأسباب التي تُخرِج الأردنيين عن أطوارهم كثيرة ومختلفة، أبرزها أن خطوات الإصلاح التي اتُخذت على مدى العامين الماضيين، لم ترتقِ إلى طموحاتهم بالتحول نحو تأسيس دولة ديمقراطية مدنية؛ وأن حالة الحريات العامة في تراجع، رغم كل ما يقوله رئيس الوزراء عن أن زمن السيطرة على الإعلام قد ولّى.

 

على الرئيس، الذي أقلّ ما يوصف به أنه ذكي وعميق، إن رغب في تجاوز المرحلة الدقيقة، أن يقرأ الشارع جيدا، بحيث يلتقط الرسائل الشعبية بعمق بعد زيارة الكرك، حتى يتسنى له الوقوف على الحالة، وتحديد أين أخطأت الحكومات بحق المجتمع؛ لعل وعسى أن يقدِر على معالجة تداعياتها، قبل أن تتفاقم وتخرج عن السيطرة. 

 

مسببات التأثير في أمزجة الأردنيين متدرجة، ليس آخرها القرار المرتقب بزيادة تعرفة الكهرباء.

 

بقلم جمانة غنيمات.

 

المراجع

jo24.net

التصانيف

جمانة غنيمات  صحافة   الآداب   العلوم الاجتماعية