حتى وقت قريب كان الحديث عن التنمية باعتبارها مقدرة الناس جميع الناس في الحصول على التعليم والرعاية الصحية والأمن والطعام واللباس، تبدو سذاجة، فقد شغلت دول العالم بالنمو الاقتصادي وتحسين ميزان المدفوعات وتنمية الصادرات باعتبارها المقياس الحقيقي للتقدم والتنمية، وما زالت دول العالم تواصل جهودها في هذا المجال دون مراجعة أو كلل، ولكن مؤسسات دولية مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الذي يصدر تقرير التنمية البشرية في العالم جعل أولئك الذين يتحدثون عن حياة أفضل ممكنة للفقراء والأغنياء ليسوا منظري شوارع خلفية ولكنهم أصحاب فكرة وجيهة ورأي جدير بالاحترام.
منذ صدوره عام 1990 وتقرير التنمية البشرية يثير نقاشاً أكاديمياً ورسمياً ويعطي فرصة واسعة لمحاكمة برامج التنمية التي تتبناها الدول والمجتمعات، وأهم ما يقدمه التقرير لنا نحن العرب والمسلمين أنه ينتصر لمنهجنا التقليدي في الحياة الذي استقرت عليه مجتمعاتنا مئات السنين قبل أن تدمره أنظمة الاقتصاد والتنمية الحديثة، التي فرضتها علينا حكومات أرادت أن تدخلنا قسراً في منظومة اقتصادية واجتماعية دفعنا لأجل امتلاكها أكثر بكثير مما أخذنا منها.
لقد ثبت أن زيادة الدخل لا تؤدي بالضرورة إلى حياة كريمة، وأن الإنسان يستطيع أن يحيا حياة كريمة ويحقق معظم احتياجاته دون نقود أو بدخل قليل، وأن العكس يمكن أن يحدث أيضاً إذ تبقى حياة الناس فيها معاناة كبيرة ونقص في الاحتياجات التنموية مع توفر المال بين الناس والحكومات، قال صلى الله عليه وسلم "من أمسى آمناً في سربه معافى في جسده وعنده قوت يومه فقد حاز الدنيا بحذافيرها".
فالحياة الكريمة هي فن فردي ومجتمعي يستطيع الإنسان بمقتضاه أن يحيا سعيداً، وقد استطاعت مجتمعات فقيرة أن تحقق لأفرادها المسكن والتعليم والغذاء والأمن دون تكاليف تذكر، وأدى التحديث إلى عجز الناس عن الحصول على هذه الأساسيات برغم الإنفاق الكبير الذي يبذل ولكنه يأتي في سياق أنظمة معيشية تتطلب تكاليف هائلة حتى يستطيع الإنسان أن يشارك فيها دون معاناة فهي مصممة للأغنياء فقط ولتحقيق ترف مكلف وغير ضروري.
كان الناس يبنون بيوتهم بأنفسهم وما زالوا يفعلون ذلك في أرياف كثير من الدول، وينتجون غذاءهم بأنفسهم، ويحصلون على جزء كبير من لباسهم، وكانت المجتمعات المحلية تقيم دون معونات خارجية مدارسها ومساجدها ومرافقها الأساسية، وهم بذلك يحققون مستوى متقدماً في التنمية دون نمو في الدخل، ولا يلاحظ أحد إنتاجهم هذا في قراءات الدخل القومي والناتج المحلي.
يجد تقرير التنمية البشرية لعام 1999 أن أولويات الفقراء مختلفة تماماً عما يفترضه الغرباء، فزيادة الدخل شيء واحد مما يرغب فيه الفقراء، ولكنهم يحتاجون إلى تغذية كافية، ومياه نظيفة، وخدمات طبية، وتعليم مدرسي لأطفالهم، ومأوى مناسب، وعمالة مستمرة، ومصدر رزق مضمون، وأعمال مجزية مرضية وهي أمور لا تظهر في ارتفاع نصيب الفرد من الدخل، وثمة احتياجات لا يمكن أن تتحقق بزيادة الدخل لكنها ضرورية وأساسية للتنمية والحياة الكريمة الحرة مثل حرية التنقل وحرية الرأي، والتحرر من القمع والعسف والاستغلال، والأمن من الاضطهاد والاعتقال التعسفي والفصل التعسفي من العمل، والمشاركة في الحياة العامة والمجتمع المدني، والانتماء إلى المجتمع والناس، إنها ذات قيمة أعلى من الدخل ولا يمكن أن يحققها المال الوفير ولا تدل عليها أرقام الموازنات والدخل والإنتاج.
وتكشف تقارير التنمية البشرية عن خلل كبير كانت تغطيه أرقام النمو الاقتصادي والدخل المرتفع ولكن القراءة العملية والتنموية للأرقام كشفت عن الفارق الهائل في توزيع الثروات وانها مركزة بأيدي فئة قليلة محدودة وأن الأغلبية محرومة، ويتذكر المرء هنا عظمة التوجيه القرآني في توزيع الثروة والمال "حتى لا يكون دولة بين الأغنياء منكم" والأمر نفسه يؤكده رئيس وزراء البرازيل فرناندو كاردوسو في مداخلة له على التقرير، يقول كاردوسو "لقد كانت المناقشات بشأن التنمية قبل صدور تقارير التنمية البشرية تتركز على النمو الاقتصادي، واستخدام متغيرات من قبيل نمو نصيب الفرد من الدخل، وهذه المتغيرات الاقتصادية تولد بالطبع بعض المكاسب الاجتماعية، ولكن هذه النظرة للتنمية كانت نظرة قاصرة إلى حد بعيد، فقد يكون من الصحيح تماماً اعتبار بلد ما متقدم النمو إلى حد كبير، وقد يكون الدخل متركزاً في أيدي أقلية من الناس، والفقر يزداد سوءاً، وأقول بوصفي رئيس البرازيل ان البلد منكوب حتى الآن بمجموعة من المشاكل، هي تركيز الدخل والفقر، وإذا لم نعتمد نموذجاً إنمائياً يلبي احتياجات الغالبية فإن هذه التنمية لن تدوم طويلاً".
تستطيع الدول أن تخصص 20% من ميزانياتها والمساعدات الإنمائية الرسمية لأجل الرعاية الصحية والتعليم الأساسي والصحة الأسرية وتغذية الأطفال وتطعيمهم ولن يؤثر ذلك كثيراً على موازناتها والتزاماتها، ويمكن للعالم أن يوفرد 250 بليون دولار لو خفض الإنفاق العسكري العالمي بنسبة 3% فقط وهو مبلغ يكفي لمكافحة المخدرات، والإيدز، والكوارث الطبيعية، والتلوث البيئي، وسائر القضايا العالمية التي تقلق جميع سكان العالم مثل الهجرة والصراعات الإثنية.
في تقرير عام 1996 كانت الفكرة الأساسية فيه أن نوعية النمو الاقتصادي لا تقل عن أهمية كميته، ولتحقيق التنمية البشرية يجب أن يخلق النمو الاقتصادي فرصاً للعمل، وأن يحد من الفقر، وان يكون قائماً على المشاركة، ومتجذراً ثقافياً، ورفيقاً بالبيئة، ويحقق العدالة الاجتماعية.
وعلى مستوى الأفراد والمجتمعات فيمكنها أن تحقق الكثير دون موارد إضافية أو باستثمار الموارد المتاحة، ويلاحظ أن الإنفاق يتخذ طابعاً استهلاكياً ترفياً ويبتعد عن الضرورات، وهو أمر يمكن استنتاجه بالمعايشة اليومية والملاحظة العامة للأسواق وحركة الصادرات والواردات، فصادرات الولايات المتحدة من الأفلام السينمائية تجاوزت العام الماضي الثلاثين مليار دولار.
وأنفقت الدول في مشروعات التنمية والرفاه التي أقامتها آلاف الملايين لتوصل الكهرباء والطرق والماء إلى الناس في القرى والأرياف، ولكن هذه المشروعات لم تزد في الإنتاج شيئاً يذكر بل إنها أدت إلى مزيد من الاستهلاك ودمرت أجزاء كبيرة من موارد الناس وطرق حياتهم ومعيشتهم، وتلك قصة طويلة ومعقدة تحتاج إلى أكثر من هذه الإشارة وقد يتاح مناقشتها في مقالة مستقلة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد