النجاح الكبير هو محصلة تفصيلات عملية كثيرة ونجاحات أخرى بالغة الصغر، والعبرة بوضع التفصيلات في شبكة صحيحة تجعل محصلتها إيجابية وليست صفرا أو سلبية.
    إن محصلة الأعمال الصغيرة حين توضع في شبكة (التشبيك) يمكن أن تجعلها حاصل جمع أو حاصل ضرب (متوالية حسابية أو هندسية ) ويمكن أن تكون صفرا أو قيمة سالبة. فالعبرة بالشبكية أي تنسيق الأعمال وجعلها تخدم بعضها.
     أحد هذه الكتب من تأليف شيري بايكوفسكي يقدم خمسمائة فكرة لتنظيم كل شيء في البيت والمواعيد، واللباس، والاتصالات، والحديقة، والصحة، والأعمال الروتينية، واليوميات، والمفاتيح، والمطبخ، والغسل، والتخزين، والذاكرة، والمال، والقراءة، والتسوق، والسفر، …
  فالمؤلف يعتقد أن بداية النجاح هي المستوى الفردي والشخصي والقضايا اليومية الصغيرة، وهنا يأتي حديث عن ظاهرة عربية وهي النجاح في القضايا الكبيرة والفشل في القضايا الأصغر لكنها على صغرها مهمة ومنغصة. فتجد داعية مصلحا لا يكاد أبناؤه يلتزمون بالحد الأدنى من التدين لانصرافه عن تربيتهم والعناية بهم، أو مديرا كبيرا ناجحا في عمله ولكن منزله في غاية الفوضى وعدم النظافة، وآخر متفوقا في عمله وعلاقاته العامة ولكنه فاشل في علاقاته الأسرية …. وهو فشل مرده غالبا إلى عدم العناية بالتفاصيل والاهتمام بالقضايا المهمة الصغيرة التي يراكم إهمالها فشلا كبيرا يكاد يقضي على النجاحات الكبيرة الأخرى.
      وقد لاحظت من عملي مع الأوراق والكتب والمجلات أن الإدارة هي قرارات "التخلص والاستبعاد" وليس الاقتناء والتخزين والحفظ. فالثانية يستطيع أن يطبقها جميع الناس، من يعرف ومن لا يعرف ولكن النتيجة دائما هي اختلاط المهم القليل بالأغلبية عديمة الأهمية، والاحتياجات مع غيرها والأولويات مع الأقل أهمية.
      لا أحد يستطيع مهما كان راغبا أو جادا أن يقرأ ما يصل إليه من صحف ومجلات وأوراق وكتب. وما يحدث هو أحد خيارين: أن أحدد أولوياتي واحتياجاتي الحقيقية والوقت المتاح والممكن لتلبيتها ولا بد في هذه الحالة من التضحية بكثير من القراءات والمتابعات مهما كانت مغرية أو مهمة أو متاحا الحصول عليها لأن الانشغال بها سيضيع الوقت والاهتمامات ويقلل الانجازات.
    يجب الانتقاء من الصحف والمجلات ما يغطي وقتا محددا مخصصا للمتابعة اليومية، واختيار عدد من الكتب يكفي للوقت المحدد للقراءة. فمراكمة الكتب والصحف والمجلات تضيع المال والوقت.
     ويحدث معي كثيرا أن الكتب والمطبوعات تتراكم بجانبي لإصراري على متابعتها حتى تصبح كومة كبيرة تغطي المكتب فأمضي وقتا طويلا في إعادة ترتيبها واختيار بعضها وأرضخ أخيرا لقانون المرغوب والممكن فثمة أشياء كثيرة نرغب في انجازها ولكن ماذا يمكننا أن نحقق.
      ويحدث كثيرا أن ننحاز إلى الاختيار الأسهل فنمضي وقتا طويلا في أعمال لا فائدة كبيرة من ورائها وننصرف عن الأعمال "القاسية المملة " لكنها للأسف أكثر جدوى وفاعلية.
     وتلك قاعدة أساسية في الحياة والفقه؛ فالعلامة القرضاوي يقول إن الفقه ليس هو التحريم والتحوط ولكنه التحليل، الأول يستطيع الإفتاء به جميع الناس ولكن الإباحة والتحليل هي التي تحتاج إلى علم وخبرة وهي قاعدة مستمدة من مقولة عمرو بن العاص رضي الله عنه: ليس الفقه معرفة الحلال والحرام ولكنه التمييز بين الضرر والنفع، والضرر الأكبر والأصغر، والنفع الأكبر والنفع الأصغر، فالفقه ومن ثم الإدارة والحياة هي ترتيب المسائل والأولويات والقدرة على إدارة المهم والأكثر أهمية.
    فالخطوة الأولى في النجاح والحياة هي "التخلص" أو استبعاد كل ما لا تحتاجه من أعمال والتزامات وأوراق وكتب وأثاث ومشتريات…وحروب ونزاعات. فثمة أشياء كثيرة تبدو مهمة وذات قيمة عالية لكنها ليست مقصورة بحد ذاتها بل بأهدافها ونتائجها. فالقتال في سبيل الله على جلال قدره وأهميته إذا أمكن تفاديه فهو الأولى "وكفى الله المؤمنين القتال" ولكنه حين يكون لازما لا مفر منه فلا بد منه "وكتب عليكم القتال وهو كره لكم" ولو أن الأفراد والمؤسسات والحكومات والدول تراجع برامجها وموازناتها بهدف التخلص مما لا يلزم لربما وجدنا أن معظم جهودنا وأوقاتنا وأموالنا تذهب إلى غير ما نهدف إلى تحقيقه. ولكن هذا النجاح لا يحدث إلا بمراجعة التفصيلات الصغيرة الدقيقة. وهذا يعيدنا إلى بداية المقال وفكرته، فتوفير المال والجهد واستبعاد ما لا يلزم يتم بمراجعة خريطة الأعمال وخطواتها الدقيقة. فتبسيط الإجراءات في الإدارة لا يتم بقرار كبير ولكن بمجموعة كبيرة من القرارات الصغيرة التي تؤدي في محصلتها إلى التنمية المرجوة. وتوفير النفقات على مستوى الأفراد والأسر والمؤسسات هو بمجموع إجراءات صغيرة جدا لا تؤثر على المسار الكلي الكبير.  
 فقد أدت فكرة استخدام الورق أكثر من مرة في إحدى المؤسسات الكبيرة إلى وفر يزيد على مليوني دولار، حيث كانت الأوراق تتلف بعد الفراغ منها، ولكن سكرتيرة اقترحت أن يعاد استخدام الوجه الآخر منها في أعمال كثيرة غير رسمية لا يضرها أن يكون مكتوبا على الورق من الجهة الأخرى. وفي المقابل يلاحظ مديرون أن الموظفين يسرفون في تصوير الوثائق والمستندات فقرر أحدهم ألا يتم نسخ أية وثيقة إلا بإذنه، فحوله هذا القرار إلى "مدير نسخ" يمضي معظم وقته في مراجعة الأوراق المراد نسخها ومناقشة الموظفين في جدوى نسخها أو عدمه.
    ثمة كثيرون يمكن أن يستفيدوا من مقتنيات كثيرة لا تستخدم أطلاقا، وترهق الحيز المتاح في البيوت والمكاتب، وفي حالة توزيعها على الآخرين فإنه يتم تحرير هذا الحيز وتفعيله ويستفيد منها الآخرون، فإذا كنت تملك ملابس أو أحذية أو كتبا أو أثاثا يزدحم به بيتك فأكثر من ثلاثة أرباع الناس يعانون من العكس، ومن أرقى المفاهيم وأجملها دلالة ذلك الحديث الشريف وتعليق الراوي عليه عندما حث الرسول صلى الله عليه وسلم على إعطاء كل فضل ( كل شيء زائد ) إلى من لا فضل عنده حتى ظن الراوي أنه لا حق لأحد في فضل ( شيء زائد ) عنده.
     ويمكن للجمعيات الخيرية والتعاونية والمدارس ولجان الأحياء أن تدير توزيع كل ما هو زائد لدى الناس فتعطيه لكل من ينقصه مثل ذلك. إن التوسع في تطبيق هذه القاعدة سيزيد من تداول الموارد على نحو يحسن توزيعها ويفعله، فالعالم يعاني من تشوه في توزيع الموارد حتى صحت تسميته بمجتمع الخمس، حيث يحصل الخمس فقط في معظم أنحاء العالم سواء بالنظرة العالمية الإجمالية أو النظرة التفصيلية لكل دولة، حتى في الدول الغنية يحصل الخمس على 90 % من الموارد ويحصل أربعة أخماس الناس على العشر المتبقي.
    والفقراء يحتاجون ربما أكثر من الأغنياء لترتيب أولوياتهم والتخلص من بعضها، فالعادات الاستهلاكية تستهوي الفقراء كما الأغنياء، وهذه كارثة مضاعفة فيلاحظ كثيرا في أحياء وقرى بائسة ومخيمات فقيرة كيف تنتصب على البيوت الآيلة للسقوط أطباق الاتصال بالأقمار الصناعية وهوائيات أجهزة التلفزيون في الوقت الذي يعاني معظم سكان هذه المناطق من فقر الدم وسوء التغذية.   
FacebookTwitterطباعةZoom INZoom OUTحفظComment

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد