حين بدأت الكتابة كنت كمن يحمل سيفا بيده يضرب به يمينا وشمالا وعلى كتفه سلم بالعرض وربما يدور أيضا، ثم اكتشفت أني أخسر الأصدقاء قبل الخصوم وأني أخوض معارك مع طواحين الهواء، ثم راجعت نفسي وتوقفت عن الكتابة قليلا وحين عدت إليها وجدت أني أدخل في مرحلة جديدة من الفهم والمنهجية في العمل والكتابة، ثم بدأت أدخل في مرحلة تلو أخرى وجدتها سلسلة من المراحل والنشوء والارتقاء حسب نظرية دارون ويمكن تلخيصها بمجموعة من الشعارات التي تلخص المسار وتعبر عنه، والإنسان يختزل فهمه للحياة وموقفه من الأحداث بجملة قصيرة، أو حكمة، أو بيت من الشعر، أو نكتة، أو قصة رمزية، وقد يكون الشعار هذا فردياً أو تتبناه مجموعة، أو شعب، أو دولة، وقد ينتشر ويعرف، أو يبقى محدوداً ولكنه يبقى دائماً جديراً بالتأمل والاستذكار.
"ثم تولى إلى الظل"
يحتاج الإنسان إلى العزلة والمراقبة والتأمل، ففي كثير من الأحيان تكون السلبية أفضل فلسفة يحمي بها الإنسان نفسه، أو تكون حالة وسطاً تعين على المسير الطويل عندما يكون التصدي المباشر انبتاتا يقطع الظهر، فيصلح هنا القول مثلا "دعوها فإنها مأمورة" أو "ثم تولى إلى الظل" . .
إنها استراحة المحارب أو توقفه للنظر والبحث والتفكير، والمراجعة أيضاً. ففي كثير من الأحيان يصعب رؤية المشهد أو فهمه وربما يكون مستحيلاً إلا بالخروج منه، إنني أواجه المشكلة كل يوم في شوارع المدن المستحدثة الهائلة فأنت يتحول اتجاهك دون أن تشعر إلى الاتجاه المعاكس فيصبح اتجاهك نحو الشرق تماماً وأنت تعتقد أنك تسير نحو الغرب، تحتاج أن تراقب المدينة بالطائرة أو تنظر إلى الخريطة حتى تفهمها، وهكذا فاقتراب الإنسان كثيراً قد يحجب عنه الفهم والإدراك والإنصاف. وقد يكون البعيد أكثر قدرة على الفهم وإحاطة بالمشهد. وفي الاستراحة والمراقبة والعزلة زاد أيضا لأن الكلل يؤدي إلى الملل، والمنبت لا يقطع أرضا، ولا يبقي ظهراً.
الذئاب الروسية
الذئاب الروسية حين يهدها الجوع في صحارى الجليد السيبيرية ولا تجد شيئاً تصيده حيث تنعدم الحياة، أو تتوارى في الشتاء والليل الطويل تتجمع الذئاب المتضامنة والتي تعيش على شكل مجموعة تصيد معاً وتحمي نفسها وتتحلق في تفاهم ضمني على أنه لا حل لهذا الجوع الرهيب سوى أن يقدم بعض القطيع نفسه للآخرين حتى لا يموت الجميع، إنه قانون الطبيعة الرحيم، ولكنها رحمة لا تتحقق إلا بالقسوة، ثمة أشياء كثيرة لو تركت لنا نقررها لما فعلنا، كالموت مثلاً، لو كان قراراً نتخذه نحن وليس مفروضاً علينا لا خيار لنا فيه. وبما أن البقاء للأصلح والأقوى فإن الذئاب تدخل في صراع مع النعاس والنوم لأن الذئب الذي ينام سيأكله إخوانه، والذي يستطيع أن يقاوم النوم فإنه جدير بالحياة والبقاء، فالنوم شكل من أشكال الموت، ولكن الذئب الضعيف أو النعسان يحمي القطيع والحياة والنوع، يجب أن تبقى يقظا دائماً حتى لا يأكلك إخوانك أو الفريق، والذئب ينام بعين واحدة، والعين الأخرى تبقى يقظة تراقب، وحين ضاقت الحياة والأنظمة الاجتماعية والسياسية ببعض الناس وصار التمرد والصعلكة كان الذئب شعار الصعاليك ورائدهم، ومعلمهم، الهنود الحمر والشيشان أيضاً يتخذون الذئب شعاراً لهم. فالذئب صبور بلا حدود، وحين يريد الشنفرى الشاعر الصعلوك الرائع أن يصف صبره وتحمله فإنه يشبه نفسه بالذئب، والواقع أن الشنفرى اتخذ الذئب أستاذا له في الحياة
فإني لمولى الصبر اجتاب بزه على مثل قلب السمع والحزم أفعل
وهو يصبر على الجوع والطعام القليل كما الذئب
وأغدو على القوت الزهيد كمــا غدا أزل تهاداه التنائف أطحل
غدا طاويا يعارض الرياح هافيـا يخوت بأذناب الشعاب ويعسل
ثم يصرخ في الصحراء تحت ضغط الجوع وقهره، فتأتي إليه الذئاب من كل حدب وصوب، ثم جعلت تعوي جميعها بصوت واحد تضامنا مع رفيقها ومواساة له، ولكنها تتوقف وتنظر إلى رفيقها كأنما تقول له كلنا مثلك "وكلها على نكظ مما يكاتم مجمل" وتمضي بائسة في حال سبيلها "وللصبر إن لم ينفع الشكوى أجمل" .
باص رقم 5
تقدم شاب للخدمة العسكرية، وتظاهر بأنه لا يرى حتى يعفى من الخدمة، سأله الطبيب: ما هو الحرف الأول في السطر الثالث؟ قال: أي حرف يا دكتور؟ قال الطبيب: الحرف الذي في اللوحة.قال الشاب: أي لوحة يا دكتور؟ قال الطبيب:
اللوحة المعلقة على الجدار. قال الشاب:أي جدار يا دكتور؟ واقتنع الطبيب أن الشاب لا يرى شيئاً، فقرر إعفاءه من الخدمة، وفي المساء كان الطبيب يحضر فيلماً في السينما، والتفت فرأى بجانبه الشاب إياه الذي أعفاه من الخدمة، فقال له: كيف تستطيع أن ترى الفيلم، ولا تستطيع أن ترى الجدار؟ قال الشاب: أي فيلم ؟ أليس هذا هو باص رقم 5؟؟
وقديماً قال الشاعر :
ليس الذكي سيد قومه ولكن سيد قومه المتغابي
نصائح مجانية
وفي الحياة والمراحل شعارات أخرى كثيرة يمكن تقديمها، مثل ذلك الكاهن (يمكن أن يكون عمدة أو مديرا أو صديقا) الذي لجأ إليه فلاح مسكين مثل القراء الذين يكلفون أنفسهم قراءة هذه المقالة (لماذا يفعلون ذلك؟ لو كنت مكانهم لما فعلت) قال له ياسيدي: الدجاج عندي يموت قال له الكاهن/ الصديق/ المدير/ أطعمه ذرة، وبعد يومين جاء الفلاح وقال له الدجاج ما زال يموت برغم أني أطعمته ذرة، قال له:أسقه ماء مقطراً، وبعد أيام جاء الفلاح، وقال : ما زال الدجاج يموت يا سيدي، قال : أنقله من القن إلى بيتك، فوضع الفلاح الدجاج في إحدى غرف المنزل، ولكن الدجاج مات جميعه، وجاء الفلاح وقال: لقد مات الدجاج كله يا سيدي، فتأسف الكاهن كثيرا وقال: لقد كنت سأقدم لك نصائح كثيرة جداً لو لم يمت الدجاج.
وهكذا تطورت إلى كائن يقدم النصائح للأمة لكي تنهض من كبوتها، وانتقد مؤتمرات القمة التي تكتفي بالشجب والإدانة، وأدعو إلى ضرورة التخلص من الواقع المرير، وفهم المرحلة الدقيقة والحرجة، وأعارض الفساد في بوركينا فاسو، وأناصر الحريات في البرازيل، ويوضح للناس ويجلدهم ويقرعهم على أخطائهم وتقصيرهم، إنها متعة عظيمة نصيحة الناس وجلدهم وانتقادهم وكشف عيوبهم و(إرشادهم إلى الصواب).
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد