وكأنّ التاريخ يُعيد نفسه، فبعد سنوات من انحباسات مطر قاسية، تُفاجئنا السماء بمائها الذي يليق بفصل الشتاء، وفي الطريق إلى الشمال، وبعد جسر المصطبة بقليل، يبدو مشهد سدّ الملك طلال مفرحاً، فقد توسّع بين الأودية المحيطة حتى صار بحيرة حقيقية، وبعد كيلومترات قليلة نسمع هدير الماء في سيل الزرقاء الذي صار ينافس الأنهر الصغيرة في حجمه، وعلى جانب الشارع المعبّد حديثاً والموصل إلى قرية المجدل تظهر الانهيارات الصغيرة، وعلى الشارع نفسه تبدو الحفر التي تشي بغشّ في نوع الاسفلت.
وتكاد غابة دبّين تنطق من الفرح، فقد غُسلت أشجار البطم والبلوط والقيقب حتى صار خضارها يليق بلوحة لفان غوخ، وتحتمي عشرات الغزلان من المطر والبرد بالشجر والصخر، ولكنّها تتحرّك برشاقة مع أوّل طلّة شمس ظهرت من انكسار غيمة إلى اثنتين، والأهم من هذا كلّه فعيون الناس تتحدّث عن فرح مكبوت، وها هو يخرج بكلّ روعته مع عدة شتوات بشّرت بخير عميم، وموسم زراعي ممتاز.
وفي طريق العودة إلى عمّان مساء، يواصل الشتاء بشارته، ونصل الى العاصمة وعلى وجوهنا علامات الفرح، ونبدأ بمتابعة الاخبار على الانترنت لنعرف ما فاتنا خلال ساعات قليلة، فتتغيّر قسماتنا حيث النكد يسود كلّ شيء، فمدينتنا الكبيرة ليست مغمورة بمياه الخير، بل غريقة ارتباكات السياسة والسياسيين.
هُنا، أتذكر قصيدة أنشودة المطر، للراحل الرائع بدر شاكر السياب، واقتبس منها: وفي الـ”...” ألف أفعى تشرب الرَّحيقْ من زهرة يربُّها الفرات بالنَّدى.
وأسمع الصدى يرنّ في الـ”...” مطر..
مطر..
مطر..
في كلّ قطرة من المطرْ حمراء أو صفراء من أجنَّةِ الزَّهَرْ.
وكلّ دمعة من الجياع والعراة وكلّ قطرةٍ تراق من دم العبيدْ فهي ابتسامٌ في انتظار مبسمٍ جديد أو حُلمةٌ تورَّدت على فم الوليدْ في عالم الغد الفتيّ ، واهب الحياة . ويهطل المطرْ..
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة باسم سكجها جريدة الدستور