عد مسرح العبث مسرحاً طليعياً؛ إذ قام على أساس عدم التقيّد بتقاليد المسرح الأرسطي، واستبدل بذلك الابتكار والإبداع في التأليف لهذا المسرح. وبعيداً عن الروح التي سادت الفنون الإنسانية ردحاً من الزمن وهي روح البناء، جاء مسرح (العبث) مناقضاً لهذه الروح، بل ونافراً منها؛ إذ هو ثورة طرحت قضية الفن طرحاً جديداً، وانتهت إلى أنّ الفن الدرامي الحديث ليس تطويراً للفن الدرامي القديم بمقدار ما هو ثورة عليه. وتمثلت هذه الثورة على الفن القديم في أنّ مسرح (العبث) يرى أنّ الفن في الخلق والابتكار، والتوسيع من نطاق الطبيعة، والإضافة إلى الأشياء، والثورة على الواقع الخارجي المألوف عن طريق تقديم ما يرى (العبث) أنه معادل له ومواز لطبيعته. ولو بُحِث في مدلول كلمة (عبث) في المعاجم العربية لظهر أنّ العبث، هو: (اللعب)، قال الله عز وجل: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً). واللعب يكون عادة بلا مقصد أو هدف، أو تكون أهدافه أهدافاً ذات مستوى متدنٍ لا يتجاوز المتعة العابرة. ومسرح العبث يختلف عن هذا المفهوم بل إنه يتجه بالعبث إلى (النشاز، والنبو عن القاعدة، وانعدام المعنى). ويرى أحد الباحثين أنّ تسمية مسرح العبث لم تأت من كتّابه بل جاءت من النقاد الذين تعددت تسمياتهم له، فمنهم من يسميه بمسرح اللامعقول، أو اللاوعي، أو الطليعة، أو المسرح الثوري، أو المسرح الاحتجاجي، أو مسرح الكوميديا السوداء، أو مسرح السخرية، أو المسرح التجريبي، ويرى هذا الباحث أنه يمكن أن يطلق عليه اسم (مسرح الوضع الإنساني)؛ لأنه مهتم بالإنسان بوصفه قيمة. وإطلاق مصطلح مسرح العبث على هذا النمط المسرحي جاء من أنّ الحركة النفسية تحل مكان مطابقة الشخصيات للواقع. ويناقش الدكتور محمد غنيمي هلال موضوع مسرح العبث فيرى أنه ذو معنى مزدوج (فموضوعه من ناحية عبث الوجود، أو رهبة الفراغ في الكون رهبة يعيا بها العقل، ومن الناحية الأخرى يقوم بتصوير الوعي الحاد بهذا الفراغ والعبث، لا عن طريق المنطق الأرسطي بل عن طريق تجارب معزولة تتصل بأعماق النفس المرتاعة أمام مأساتها الهائلة اللامعقولة). ويتحدث أحد الباحثين عن مرجعيات فلسفة العبث فيذكر في هذا المجال أنّ التراث اليوناني أحد مرجعيات فلسفة العبث في المسرح؛ لأنّ المسرح اليوناني يصور فكرة الصراع العمودي بين السماء والأرض، وأن الإنسان هو المكتوي بهذا الصراع؛ إذ يفاجئه القدر بأشياء رهيبة ومرعبة، تجعل الأشياء تقع على الإنسان، وتصنع الظروف منه شيئاً لم يرغب أن يكونه. ثم ينتقل إلى فلسفة أخرى هي الفلسفة النيتشوية التي تقوم على استبدال إرادة قوى الغيب بإرادة الإنسان الذي يجب أن يتحكم في مصيره وأن يصنع مستقبله بنفسه شريطة أن يكون إنساناً سامياً وليس إنساناً ضعيفاً يرتكن إلى إرادة الرب لتبرير ضعفه وخنوعه. والخضوع للرب أو الأديان هو أساس فلسفة نيتشه العلمانية التي حاربت الأديان عن طريق تكريس فكرة (موت الإله)، وأن الأديان أسطورة من الأساطير، والأمر المهم في بحث (مسرح العبث) أن فلسفة نيتشه اعتبرت القيم والتقاليد وهماً، وأصبح المعيار الرئيس في عالم خالٍ من الألوهية والمقدسات هو مقدار الفكر(المتفتح). كما أنّ مسرح العبث اشتغل على بعض المواضيع التي هي من صميم أفكار (فرويد) في علم النفس، مثل: اليأس، والتشاؤم، والضجر، والملل الزوجي، وقصور اللغة، والكره الدفين، وهذه المواضيع تعبر عن الحالة النفسية التي تؤدي بالمرء للشعور بعبثية الحياة. ومن المرجعيات التي استفاد منها مسرح العبث (الحركة السريالية) التي كانت حركة ثورية تطمح إلى التخلص من الإرغام, وعقلانية الحضارة الغربية التي تحتجز الفرد داخل غلاف متصلب, وتحرمه من قدراته الاستبصارية الخلاقة الثاوية بداخله. وطموحات السرياليين التقت مع العبثيين في اغتيال العقل ومنطق الأشياء، وثورتهم على الفهم العادي للحياة والكون. كما أنّ مسرح العبث يعد امتداداً لمسرح القسوة الذي استفاد منه في جانب إفراغ اللغة من محتوياتها، ويفقدها وظيفتها التواصلية، بحيث تصير عائقاً بدل أن تصير جسراً للتواصل بين الناس. وهذه الفكرة بحد ذاتها ثورة على كل الأفكار السابقة التي تناولت اللغة بوصفها جسراً للتواصل بين الناس؛ إذ انقلبت على هذا المبدأ، وصارت اللغة جسراً مكتظاً بالآلام التي تمنعها من إيصال الأفكار، ومن تقريب المفاهيم. ومن الأمور الاجتماعية التي عززت ظهور مسرح العبث أنّ جل رواد مسرح العبث كانوا منفصلين عن مواطنهم الأصلية، ومنغمسين في ثقافة مجتمع أجبرتهم الظروف على الانتماء إليه، فـ(بيكيت) إيرلندي, و(يونسكو) روماني, و(أداموف) روسي, و(أربال) إسباني، و(شحادة) لبناني، ولم يبق سوى (جون جينه) الذي هو فرنسي الأصل والمولد، وهؤلاء الأعلام جميعاً يكتبون بالفرنسية التي هي لغة ثقافة اكتسبوها، وليست لغتهم الأصلية، وإذا كانت اللغة وعاء للحضارة، وليست -فقط- وسيلة للتواصل, فإننا يمكن أن نفهم الشرخ، والازدواجية التي يعيش عليها هؤلاء الكتاب الوافدون على لغة الآخر، وطقوسه، وخاصياته، ولعل هذا السبب الذاتي -أيضاً- كاف لكي ينحو هؤلاء الكتاب النخبويين هذا المنحى, ويعبروا عن الإحساس العميق بتفاهة الوضع الإنساني، وفقدانه لمعناه وجوهره. ولمسرح العبث آليات يتم الاشتغال بها، وهي: 1 - إفراغ اللغة الكلامية من كل محتوياتها الدلالية، وتحويلها إلى أصوات مجردة لا معنى لها. 2 - ليست هناك حكاية ذات حبكة، بل هناك عرض لمواقف متضاربة ومتناقضة. 3 - لم يعد هناك حديث عن بداية، وعقدة، ووسط، ونهاية، بل اختلط كل شيء، وتشابك، وتعقد. 4 - تعتبر المحاكاة الساخرة من الأدوات الفنية الأكثر حضوراً في مسرح العبث، وقد غلبت هذه التقنية على معظم مسرحيات (أداموف) بدءاً بمسرحية (الخدعة)، وصولاً إلى مسرحية (البينغ بونغ). 5 - لجأ كتاب مسرح العبث إلى اقتحام أساليب فنية أخرى كالرمز, كما هو الحال في مسرحية (في انتظار غودو) لـ(صمويل بيكيت), والتي ترمز إلى العلاقة اللامتكافئة بين السيد والعبد، وانتظار الخلاص من (غودو) الذي قد يأتي، أو لا يأتي. 6 - لجأ رواد مسرح العبث إلى المزج بين (الكوميديا) و(التراجيديا) لتتولد عن ذلك (التراجيكوميديا), أو الملهاة السوداء، وهي (المسرحية التي تدفع المتفرج قدماً بإثارة العقل، أو القلب، ثم تشتته، وتحيره بحيث يضطر مرة تلو الأخرى إلى أن يعيد النظر في فاعليته الخاصة في مشاهدته للمسرحية. 7 - نجد أنهم استعملوا ديكورات خفيفة جداً, توحي أكثر مما تقرر, وتزين أكثر مما تكدس, وكمثال على ذلك مسرحية (في انتظار غودو) التي كان ديكورها يتكون فقط من شجرة نخرة يستظل بفيئها البطلان (فلاديمير) و(إستراغون), في حين ظل الفضاء خال من أي نوع من أنواع الزينة. 8 - الشخصيات في مسرح العبث لا تملك أي وجود مستقل، وأي أبعاد سيكولوجية، أو اجتماعية، أو ثقافية واضحة، فهي لا تعدو أن تكون مجرد دمى أو عرائس. 9 - تمرد رواد مسرح العبث على المسرح الأرسطي وتقاليده الثلاث: الزمان، المكان والحدث، وتنكروا لهذه العناصر وقرروا محدودية المكان كشجرة كما في مسرحية (في انتظار جودو)، أو غرفة كما في مسرحية (الغرفة)، أو كرسي كما في مسرحية (الكراسي)، وأهمل العبثيون عنصر الزمن في مسرحياتهم واعتبروه غير ذي قيمة. أما الحدث أو العقدة فلا وجود لها هي الأخرى في مسرحياتهم. وبعد هذا الحديث عن مسرح العبث وموضوعاته وآليات اشتغاله، فنتوقف عند أحد رواده وهو (صمويل بيكيت) الذي كانت له رؤى داخل العبثية، فهو يهتم بالشكل، ولكن ليس هو الشكل بمعناه المألوف المعتاد الذي تضعه في مقابل المضمون، وإنما هو شكل المعنى، أو شكل الفكرة -إن صح التعبير- فبيكيت بعد أن استقام له المضمون، وبلغ به أقصى مداه، وذلك في صورة نظرة عامة إلى المواقف، والأشياء، والأشخاص، نظرة مؤداها عبارته المشهورة التي رفعها شعاراً لفلسفته: «إننا نخرج من ظلمات الرحم إلى ظلمات القبر مارين بظلمات الحياة». وبالنسبة للمضمون عند (بيكيت) فهو متأثر بالوجودية، ولكنه أخذ من الوجودية جانبها القاتم المتشائم. وقد اهتم (بيكيت) في مسرحياته بالحديث عن (عادات السلوك)، (فالإنسان يقف وحده، وفي الوقت نفسه يحاول أن يكون مع غيره، ولكنه عندما يجد هذا الغير يصبح الاتصال مستحيلاً فإذا أصبح الاتصال ممكناً فإن هذا الغير يكون مشغولاً عنه، مشغولاً عنه بنفسه، أو بغيره، أو بأشياء أخرى، والنتيجة دائماً أن الإنسان يظل وحده في مواجهة نفسه، وغيره، والكون كله، وأخيراً لا يجد قيمة لشيء: لا لنفسه، ولا لغيره، ولا للكون كله). وبما أن بيكيت من رواد مسرح العبث، وقد ترك بصمته في تأسيس مسرح العبث، وغادر موطنه الأصلي (إيرلندا) إلى فرنسا، إلا أن (إيرلندا) ظلت في دواخل نفسه تحادثه، وتبرز له انفصاله عن واقعه وانتمائه إلى (إيرلندا) البعيدة عن عينيه.

المراجع

www.arabicmagazine.com/arabic/ArticleDetails.aspx?Id=1805موسوعة الأبحاث العلمية

التصانيف

الأبحاث