في الوقت الذي ترتفع ودائع القطاع الخاص لدى البنوك بنسبة 8 % في الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي، وصولا إلى مبلغ 25.5 مليار دينار، تنخفض حصة الشركات والقطاعات من التسهيلات الممنوحة من القطاع المصرفي.
قيمة الودائع كبيرة جدا وتفوق الناتج المحلي الإجمالي، المقدرة بحوالي 24 مليار دينار، لكنّ فوائد تكديسها في البنوك لا تتجاوز الأرباح التي يحققها أصحابها، مع عدم إهمال فكرة مهمة تثبتها الأرقام، بأن الدينار وعاء استثمار قوي.
القروض الممنوحة حتى شهر آب (أغسطس) بلغت نحو 800 مليون دينار، منها 240 مليونا للإنشاءات، وذهبت نسبة مرتفعة من القروض للأفراد، إذ حصلوا على تسهيلات بقيمة 237 مليون دينار، الأمر الذي يعني أن الأموال المقدمة من البنوك غير موفّرة لفرص عمل للأردنيين، أو هي استهلاكية تعزز نمطا سلبيا في الإنفاق المجتمعي طالما كان عرضة لانتقادات.
أما ارتفاع الودائع فيؤدي إلى نفس الغرض، في ضعف دورها في إنشاء مشاريع جديدة.
بالمحصلة، ثمة أسباب مشتركة خلقت هذا السلوك عند المقرض والمودع في آن، ترتبط بشكل وثيق باستمرار سيطرة حالة عدم اليقين على أصحاب رؤوس الأموال، ما دفعهم للبحث عن ربح مضمون دون مخاوف وهواجس، من خلال استثمار أموالهم بشكل لا يحمل أية مخاطر.
بحسبة بسيطة، لو وُضع هدف بتحويل مليارين من الودائع لاستثمار في القطاعات المنتجة، ومثلهما من التسهيلات، فإن ذلك سيخلق حالا أفضل من الوضع القائم، وسيضخ الأموال في قنوات تحقق القيمة المضافة المرجوة.
في المؤشرَين السابقَين دلالة سلبية، كونهما يؤكدان أنّ استثمار الأموال لا يتم بشكل صحي وسليم، يحرك عجلة الاقتصاد، ويسرّع دورانها.
العمل على تعديل المعادلة التي تحكم توجيه هذه الأموال مفيد وضرورة، ففي حال التمكن من تحويل جزء قليل من أموال الودائع والتسهيلات لاستثمارات، فمن المؤكد أنّ أثرا إيجابيا سيطال النمو الاقتصادي وحجم نشاطه، الأمر الذي يترجم في النهاية إلى فرص عمل تخفّض من معدلات الفقر والبطالة.
كما أن النجاح بإعادة توجيه جزء محدود منها لإنشاء مشاريع صغيرة ومتوسطة، يساعد على إنجاز ذات الهدف، وذلك من خلال التركيز على النافذة التي وفّرها البنك المركزي لهذه الغاية، والمتعلقة بتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة بأسعار فائدة مدعومة.
الظروف السياسية المحلية والإقليمية تعمق الشعور بالقلق وتولّد مخاوف من البدء بإنشاء مشاريع وسط مشهد ضبابي لم تنقشع فيه الصورة بعد، بيد أن الوضع محليا أكثر استقرارا، وهذه مسألة لا يمكن إغفالها خصوصا من أصحاب الأموال.
البنوك تتحمل جزءا من النتيجة السابقة، بسبب سياستها المتحفظة في تقديم التسهيلات لأصحاب الأفكار، والتشدد في طلب الضمانات منهم، وبقاء هذه العقلية كفيل بقتل كثير من المشاريع.
البنك المركزي، وحفاظا على جاذبية الدينار وقوته كوعاء استثماري، سعى خلال الفترة الماضية لزيادة أسعار الفائدة، وخيرا فعل في تلك الفترة.
توجه "المركزي" حقق الهدف، لكنه انعكس بشكل أو بآخر على قرار أصحاب الأموال، الذين آثروا ربحا قليلا مضمونا.
خلال الشهرين الماضيين، اتّبع "المركزي" خطًا جديدًا ركز على تخفيض معدلات الفائدة، والغاية تحفيز الاقتراض، والتخفيضات تمت على دفعتين حتى الآن بقيمة ربع نقطة في كل قرار.
توجه "المركزي" الجديد مفيد، لكن حسبما تشير الأرقام لم يحدث الأثر المطلوب حتى الآن، والحاجة لاستثمار الأموال الداخلة والخارجة من البنوك بشكل مفيد، تتطلب سياسة نقدية توسعية بقدر أكبر.
ربما نحتاج إلى تخفيض جديد على أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة، لدفع العجلة، لِمَ لا؟
تخفيض أسعار الفائدة مسألة غير مرحب بها من صندوق النقد الدولي، والتوصية التي خرجت منه كانت واضحة، ودعت إلى عدم تنفيذ تخفيضات أخرى على الفائدة، إلا إذا توفرت مؤشرات واضحة على أن التضخم باتجاه هبوطي.
المراجع
maqar.com
التصانيف
جريدة الغد جمانة غنيمات صحافة