المشاركة السياسية والعامة تبدو اليوم رغم جاذبية الكلمة وإيقاعها الإيجابي الكبير موضع تساؤل، بل هي سر الأزمة والمعضلة، معضلة الناس والمجتمعات، ومعضلة الحكومة، ومعضلة الحركة الإسلامية والمعارضة والأحزاب السياسية، والشركات والبنوك أيضا، أو أصبحت تعني لدى كل طرف أو فئة معنى مستقلا ومختلفا عن الأطراف الأخرى، وأحيانا متناقضا مع مشاركة "الآخر"، فلكل مشاركته التي يغني لأجلها.
الحكومة تريد مشاركة، تمنحها إنجازا ومصداقية؛ مثل الأهرام، التي تعد إنجازا رائعا وخالدا، شارك فيه العمال والعبيد والمهندسون والملوك والفراعنة، الذين ماتوا بسبب الجوع والمرض والإهمال والسخرة كانوا شركاء في بناء الأهرام، ويا لها من مشاركة عظيمة!
والشركات تشارك المجتمعات في النمو الاقتصادي وفي أرقام الإيرادات والأرباح والدخول، والمدراء العظم يشاركهم العمال والحراس في الإنجاز، لكنها مثل مشاركة حارس البنك ومديره في مجموع أرقام الدخل، فهما معا يملكان اثني عشر ألفا ومائة وأربعين دينارا، ولكنها مشاركة لا تعني للحارس شيئا، وأرباح الشركة لا تعني شيئا للعاملين فيها، واستثماراتها لا تعني شيئا بالنسبة للمجتمع والمستهلكين والناس، ولكنها مشاركة.
الإعلانات المنتشرة في الشوارع والحراك الإعلامي والرسمي تدعونا للمشاركة، ولكننا لا نعرف شيئا عن شروط وحدود المشاركة، ماذا سنقدم وماذا سنكسب، ومع المخاوف والتجارب السابقة، فإنها تبدو شراكة مثل الذي اشتغل عند خاله، وكان يعتقد أن خاله سيعطيه أفضل من الناس والخال يعتقد أن ابن اخته يساعده معونة ولا يريد منه شيئا.
والحركة الإسلامية والمعارضة والأحزاب السياسية تتطلع إلى المشاركة وتتمنى أن تحصل على فرصة معقولة، ولكنها تخشى أن تكون مثل فرقة فنية تحيي العرس وتبهج الناس بلا مقابل، وربما يفتعل أصحاب العرس مشكلة مع الفرقة في نهاية الحفلة ويطردونهم ويضربونهم!
ما معنى المشاركة؟ بماذا نحن شركاء؟ وماذا سنحصل من هذه المشاركة؟ ما هي حصتنا وما رأسمالنا وأرباحنا/ خسائرنا المتوقعة؟ ماذا سنقدم وماذا سنأخذ؟
أخشى أننا نشارك بلا اتفاق واضح متفق عليه بين الشركاء، هذه الشراكة أو العقد الاجتماعي المنظم للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية تحتاج إلى تعريف وتحديد ومراجعة، وأن يفهم كل شريك موقعه وموقفه المحدد، فهل يتكرم علينا أحد من المسؤولين أو القراء أو المواطنين أو المستثمرين أو البنك الدولي أو المجتمع المدني أو العشائر أو دائرة الإفتاء ليفسر لنا هذه "المشاركة" القائمة اليوم؟
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد