ربما كان متقبلا في أوائل السبعينيات، في مرحلة من انحسار التدين وشعور المتدينين بالاغتراب، أن يحاول الدعاة الجدد بدعم من طليعة من الشباب المقبل على الدين، أن يمنحوا الممارسات الدينية مسحة من البهجة والأنس، ولكن ذلك التقليد لا يعبر عن جوهر الدين وحكمة العبادات والشعائر، فالعبادات ليست مهرجانات، والتدين ليس سلوكا ترفيهيا، يندرج في برامج السياحة والترويح، فالارتقاء بالنفس والروح لا يتم بالمزيد من الولائم وزيارة المطاعم والمقاهي.
ويمكن ببساطة قياس أثر الصيام ومقاصده في تقليل النفقات على الطعام والترويح، وإن كان ثمة مجال للإنفاق فليكن في التبرع والصدقات، وأن ينقص وزن الصائم ولا يزيد، وأن يلاحظ الناس عزوفا واضحا عن الصخب والاستهلاك وابتعادا عن الأسواق، وسلوكا متسامحا في الطرق والحياة اليومية، وشعورا ذاتيا بالألم والمعاناة والسكون، وبغير هذا الألم لا يكون صيام، وبغير السكون والعزلة والصمت الطويل والعميق والخشوع المهذب للجوارح والحركات لا يكون ارتقاء بالنفس.
ما نراه اليوم من تهافت على الطعام والأسواق، واستعراض وتبجح لبعض المصلين والصائمين الذين يغلقون الطرقات بسياراتهم، وأداء الصلوات وزيارة المساجد كما حفلات الأعراس، من صخب ونشاط زائد يشغل العقل والروح ويشوش على الناس ويذهب بسكينتهم وفكرهم، ومزيد من التوتر والخصام في المعاملة والسواقة، وغياب لتقدير مشاعر الآخرين وحقوقهم ومشاركتهم، وغير ذلك كثير، يمضي بالصيام إلى عكس أهدافه ومقاصده، ويفوت على الناس فرص تلقي الحكمة والمعرفة المفترض أن تصاحب الجوع والألم والتأمل والصمت والسكون، ويضر بملكات التفكر والبحث والنظر في السماء، فإذا لم يجد الصائمون فكرة جديدة ولم يلاحظوا ملكات عقلية وروحية جديدة لديهم تمنحهم طاقات وحوافز جديدة للمشاركة مع الناس في مشاعرهم وحياتهم ومصالحهم ومنفعتهم، وتهذب من الغرور والتطلع إلى المتع واللهفة على الحاجات الحسية المباشرة، أو على الأقل إذا لم ينقص طعامهم وشرابهم واستهلاكهم وخروجهم في الطرق والأسواق وصخبهم فلا حاجة لله بصيامهم.
الصيام رسالة لنا جميعا لندرك الأصل والاستثناء، فلولا الألم والعزلة في الصيام لما كان ثمة حاجة لأن يعقبه عيد، فالحياة ليست عيدا سوى أيام قليلة، ولكنها عمل مضن وطويل لا يكون بغيره معنى للراحة والترفيه، وإنجاز متواصل ومتراكم يدع مجالا بين الحين والآخر للفرح والكسل لمعاودة الحياة من جديد. وليس أقل بالنسبة لأولئك الذين يجدون مجالا للراحة والصخب والترويح، أن يدعوا المجال للذين يسلكون في الحياة دروب العمل والسكون أن يقوموا بعملهم من غير مزيد من الضيق والعنت، فبغير جهد هؤلاء لن يستطيع أولئك أن يفرحوا ويتمتعوا بالحياة .. والصيام.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد