مهما كبرتَ، فأنتَ أمام الكبير صغيراً....

ومهما بلغتَ، فأنت أمام الاستاذ مجرد تلميذ ...

وقد ظللتُ طوال عمري ذلك التلميذ الصغير أمام الاستاذ الكبير عرفات حجازي، الذي منعني ضيق حالي الصحّي من القيام بواجب حضور دفنه وعزائه مع أنه واحد من أعزّ الناس : فهو أستاذنا وحبيبنا وصديقنا وعمّنا أبو محمود، الوحيد الذي بقي يذكّرنا بأيام الصنعة الأولى، أيام الحبر الحامي، ولكنّه غادرنا منصاعاً لمقادير الحياة.

هو الاخير من جيل التأسيس لعشيرة صحافية كبيرة، عتيقة، حفرت في الصخر مهنة تناولتها الرياح ذات الجهات الاربع، ولكنها بقت شامخة عزيزة تختال بأنفة وتعبّر عن نفسها جيلاً بعد جيل: من تيسير ظبيان ورجا العيسى وابراهيم الشنطي ومحمد صبحي الكيلاني ومنيب الماضي وابراهيم سكجها ومحمود الشريف ومحمود ابو الزلف وضيف الله الحمود، الى سليمان عرار ومحمود الكايد وحسن التل وراكان المجالي، الى هاشم خريسات وعبد السلام الطراونة وسليمان القضاة ومحمد العمايرة وبدر عبد الحق، الى الجيل الذي لحقهم وقاد مهنة صارت عصية على الذوبان في مياه الاخرين، ولو بدا غير ذلك في حين.

أسماء كثيرة لا تسعف الذاكرة ذكرها، غير أنّ خبر رحيل عرفات حجازي أثار في ذاكرة الوجدان الكثير ممّا عرفته عنه ومنه، وبالطبع فقد تذكرت أبي وايامهما مع كبار صناعة المهنة، وبالتأكيد فقد داعبت أذناي لهجته الخليلية القحّة التي حافظ عليها طوال عمره.

آخر اتصال هاتفي بيننا كان بمبادرة منه، كما الكبار دوماً، فقد جاءني صوته غاضباً عاصفاً: اذا كان هناك أحد يظنّ انه قادر على المساس بك فهو مخطئ. سآتي الان وابني واهلي لنجلس ونرابط امام بيتك. كان ينتصر لي يوم حادث اطلاق نار على منزلي، بلهفة الأب، وحرص الزميل، وهي مواقف عُرفت عن جيل صحافي أول أسس لنا مهنتنا وها هو آخرهم يغادرنا، فرحمك الله يا عرفات حجازي الحبيب.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  باسم سكجها   جريدة الدستور