لم يعد بإمكاني استخدام الإيميل المخصص لي في صحيفة الغد بسبب مئات الرسائل اليومية التي تقتحم الإيميل من الأخبار الدعائية والمدونات والإعلانات والإبداعات والبيانات السياسية والشخصية، والتي تجعل مجرد تصفح عناوينها وحذفها عملية مرهقة تستغرق وقتا طويلا، وتجعل المستخدم ضحية عمليات ابتزاز وانتهاك للخصوصية وتطفل على بريده ووقته، وبريدي أيضا في ياهو أصبح نصف معطل لأن ميزة "سبام" تحجب في بعض الأحيان رسائل مهمة أو أحتاج إليها، ولكن كلما رأيت أن قائمة الرسائل في سبام تعد بالآلاف يصيبني إحباط شديد وأوكل أمري لله، وأقابل كثيرا من الناس بالمصادفة أو يتحدثون معي بالهاتف ويخبرونني أنهم أرسلوا عبر الإيميل رسالة أو ردا أو تعليق أو ملاحظة، وفي أحيان كثيرة ترسل جهات دعوات للمشاركة أو أوراق عمل، ويرسل أصدقاء وزملاء رسائل عمل أو متابعة، ولكنها تضيع بين آلاف المقالات والإعلانات والمدونات والشبكات الإخبارية والنضالية.
هناك صديق محام يستخدم إيميلا مؤسسيا، بمعنى أنه لا خيار له في تغييره او الاستغناء عنه كما حدث معي، وبسبب طبيعة عمله فهو بحاجة لتصفح الإيميل رسالة رسالة تقريبا، ولا يعرف كيف وقع إيميله بيد عصابات التسويق والنشر الإلكتروني، وهو اليوم في مواجهة أزمة مكلفة ومرهقة، وهناك أصدقاء كثر يوصونني بألا أعطي إيميلاتهم لأي كان، مخافة جراد الإيميلات التي تحول بريدك في أيام قليلة إلى ساحة للمنتديات والصور والإعلانات. والبهدلة، ماذا يفعل هذا المحامي، وهو بالمناسبة أستاذ ناجح يدير مجموعة من الأعمال حول العالم، هل هو مضطر لأجل البحث عن مذكرة او دراسة او استشارة أن يتصفح ألف إعلان ومقال ورسالة وشتيمة ونميمة وهتك عرض وتحرش وإشاعات؟! ولم أتعلم للمرة الثالثة من الدرس، ففي إحدى الندوات وزعت علينا ورقة توضع فيها الأسماء والإيميلات والموبايلات، وتحول إيميلي الثالث إلى ساحة نفايات يكب فيها كل يوم عشرات "القلابات".
في عصر التواصل السريع والمدهش صرنا معزولين عن العالم، غير قادرين على التواصل، .. ولكن لنتخيل حياتنا من غير إيميل، أو لنتخيل كيف كان الناس يعيشون قبل الإيميل.
قبل عام رأيت رسالة في الإيميل، جعلني اسم المرسل فضوليا وخائفا، فقد كنت خائفا من الفيروسات، وزهقان من أخبار الجوائز وعروض الثراء، حتى تحدث معي الشاب بالهاتف، وتكونت عبر الإيميل شراكة فكرية ومعرفية وصداقة جميلة ومنتجة، تجعلك تتحمل كل قرف المتطفلين والجراد، وسلمت يدا من أنشأ الإيميل، وجزاه الله خيرا، والفردوس الأعلى أيضا.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد