من المثير جدا معرفة أن الجميع يتحدثون عن الإصلاح الطبي في الأردن مقابل أفعال وهمية لا تُقدم ولا تؤخر، وكأن الكلام وحده والنقاش العقيم يصنعُ المعجزات! فنصبح شعوباً تجيد الكلام و"التنظير" ونبتعد دائما خطوة إلى الخلف محملين باليأس الذي تنتجه الهوة بين الكلام والفعل مقابل كل حزمة خطوات يتقدم بها المثابرون في دول أخرى.
كما يبدو أن التفكير في استراتيجية طبية أردنية شاملة تراعي التفوق الإقليمي -المنافس بقوة- وتعالج "التسوس" الذي راح يستشري في جسم المؤسسات الطبية الحكومية والخاصة؛ لن يحصل قريبا على مساحة تنفيذ جادة تحظى ببعد النظر لدراسة وإقرار جملة من القوانين المهمة والضرورية كالمساءلة الطبية والمحكمة الطبية وعدم توقيف الأطباء إلا بعد إدانتهم القطعية؛ أو على الأقل إيجاد مكان خاص لتوقيفهم لحين البت النهائي في القضايا المرفوعة ضدهم.
فيما يتعلق بالخسارات المتلاحقة لعدم إقرار قانون للمساءلة الطبية، فإني سمعت آخر القصص وأبسطها من طبيب عظام قال: "كنّا ثلاثة اطباء احدهم جراح والثاني باطنية واستدعت حالة طارئة فتح بطن المريض لتقديم تشخيص نهائي لحالته المشكوك بأمرها، وافقت انا والجراح ولكن طبيب الباطني أصر على عدم الفتح، فقلنا له أكتب قرارك في ملف المريض، فكتب وغادر وتوفي المريض في اليوم التالي نتيجة نزف داخلي، والغريب أن أحدا لم يسأله لماذا أصر على قراره بعدم الفتح، بل انتهت الحكاية كلها بكتابة شهادة وفاة للمريض".
وعلى الجانب الآخر، المتعلق بحقوق الطبيب، قال آخر: "كنت طبيبا مقيما في مستشفى البشير، وفجأة طالبوا بإغلاق قسم الطوارئ، وحين نظرنا وإذا بأحد زملائنا يجر بالأغلال إلى القسم، يحرسه جمهرة من رجال الأمن ويتعرض لأزمة في صدره، ولأنه كان مكمم الوجه، انتشرت حالة من الرعب بين الأطباء! فزميلنا هذا لم يكن قاتلا ولا مجرما بل كان مجرد متهم في قضية إهمال أدت إلى وفاة طفل، ولم يصدر الحكم بحقه بعد، وللعلم فقد تبين فيما بعد أن الأم هي المتسببة بقتل الطفل، لكنها زورت الوقائع، وحين اعلنت براءته لاحقا، وأعيد إلى عمله، غادر البلاد إلى غير رجعة".
حين يتم رفع شكوى ضد طبيب، يودع غالبا في التوقيف بمعية المجرمين الحقيقيين! فإذا كان الطبيب مُعرضا بشكل دائم لفتح شكوى ضده، فكم تبلغ النسبة التي يُرجح فيها إدانته بالتهمة المنسوبة إليه؟ أعتقد أن اول ما يجب الاهتمام به إيجاد صيغة تضمن ان يستمر هذا الطبيب بممارسة عمله بشكل اعتيادي حتى انتهاء القضية وإصدار حكم قطعي فيها، وإذا استحال ذلك، فإن علينا أن نهتم على الأقل بتخصيص مكان لتوقيف الأطباء الذين ماتزال قضاياهم معروضة امام القضاء، يتلقون فيه عناية خاصة بعيدا عن السفاحين والقتلة، وتشرف الجهات المعنية في الأمن العام على مثل هذا المكان.
نقابة الأطباء ليست غائبة عن كل ذلك، لكنهم يقدمون قدما ويؤخرون أخرى، ولا أظنهم يشعرون أن قانون المساءلة الطبية هو العامل المؤرق في المشهد الطبي الأردني، والدليل هذا التسويف غير المبرر في شحن مشروع القانون إلى الحكومة؛ أو على الأقل تقديم مجموعة من التشريعات العاجلة والملزمة التي تردع الذين يتعاملون مع مهنة الطب بلا وازع أو ضمير وكأنها مجرد مورد للارتزاق ليس أكثر. إضافة إلى تشريعات أخرى تهتم بحماية الطبيب الذي يمارس عمله بدافع المسؤولية والحرص والأمانة ويتعرض للوقوع في الخطأ غير المقصود أحيانا، أو غير الواضح من ناحية طبية في أحيان أخرى. ما المشكلة أن ترتفع الأصوات النزيهة المطالبة بتفعيل قانون المساءلة الطبية ضمن خصوصية محكمة طبية تضم نخبة من الأطباء الخبراء الذين يحصلون على تدريب في التقاضي ودورات رفيعة المستوى تؤهلهم لمتابعة كل حالة تتعرض للشبهة من دون إهمال او تشهير، أو انتقاء مجموعة من القضاة الأكفاء وتدريبهم على التخصص في القضايا الطبية المختلفة؟ هل هذه مهمة مشتركة بين النقابة والحكومة، أم على الفعاليات الطبية الخبيرة الإسراع في الاجتماع ووضع إستراتيجية وطنية عادلة تتضمن كافة حقوق وواجبات الطبيب الأردني الذي يحظى بسمعة طبية إقليمية وعالمية عالية؟

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جلال الخوالدة