اذا كان الإعلان عن مخطط إنتاج مسلسل "عمر بن الخطاب" من قبل قناة "الجزيرة" وقناة "الإم بي سي" قد سبقته مقدمات إنتاجية تمهيدية عن طريق مسلسل "القعقاع بن عمرو التميمي" الذي انتجه التلفزيون القطري ومن قبله بسنوات مسلسل "خالد بن الوليد" الذي أنتجته شركة رواج الفنية الكويتية ولعب الممثل السوري "باسم ياخور" الدور الرئيسي فيه، وكانت الفكرة والأهداف تلتقي خارج منطقة الترفيه والتسلية، فإن تلك المخططات تحتاج إلى وقفة مراجعة شاملة.
رأت الفئات المثقفة في الشارع العربي المسلم، أن مسلسل "القعقاع" كان هزيلا وضعيفا، وأن الهدف الرئيسي منه لم يكن سوى "إبرة بنج" للترويج عن مخطط قادم "مجهول الاتجاه" وأنه قد يكون مقدمة لإنتاجات قادمة تتولى تحويل صوت الصحابة -رضوان الله عليهم- إلى شخصيات فنية تلعب أدوارهم -كما حدث في "خالد بن الوليد"- شخصيات فنية معاصرة، حيث تم ربط شخصية خالد بن الوليد وهو "سيف الله المسلول" بشخصية ممثل كوميدي هو "باسم ياخور"، فأصبحت الناس تتصور وتستحضر في خيالها، وكلما ذكر "خالد بن الوليد" صورة شخصية باسم ياخور، واليوم فإن صوت أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم جميعاً، بعد مسلسل "القعقاع"، قد أصبح ضمن مجال التصورات لممثلين قاموا بتأدية هذه الأصوات، والتي كانت كلها مجموعة من الإشارات أننا مقبلون على مرحلة ان نرى عادل إمام، ومحمد هنيدي وأحمد حلمي وغيرهم يجسدون أدوار الصحابة رضوان الله عليهم.
نحن لا نتحدث هنا عن المغالطات التاريخية ووسائل التشويه الكثيرة الممنهجة ضد الخلفاء الراشدين، ولا الجهود الخفية التي تقف وراء ذلك، ولا نناقش إذا كان منتج العمل مسلما متنورا أو أن بطله الرئيسي ليس بمسلم، نحن نتحدث عن قانون لم يُكتب وتشريع لم يُنزل على حفظ "الصورة" و"الصوت" لرجالات الإسلام الذين وقفوا إلى جانب رسالة المصطفى وإلى جانب الحق والنور، وكانوا هم مؤسسي هذه الأمة الذين صنعوا لها مجدها وعزتها وأنفتها، فامتدت لتصل أصقاع المعمورة، وليس كما يقول المنتجون والممثلون في ردودهم على اعتراضات الناس الكثيرة أنه ليس هناك قانون يمنع تجسيد وظهور الكرام من الصحابة، وأنه ليس هناك حديث شريف يمنع ان يمثل هذه الشخصيات ممثل غير مسلم أو غير ملتزم مثلا.
لسنا مثل الغرب، فحين تم إنتاج فيلم آلام المسيح، ولعب الممثل الأميركي "جيم كافيزيل" دور السيد المسيح عليه السلام، وكان "جيم" هذا قد قام بأداء أدوار في أفلام رومانسية وتقديم مشاهد ساخنة مثل فيلم "أوتلاندرز" مع "صوفي مايلز" و"عيون الملائكة" أو أفلام اكشن وكذب وخداع بصري مثل "هاي كرايمز"؛ لم يكن حجم الاعتراض على شخصية الممثل وتاريخه الفني وأرشيفه عاملاً حاسما بقدر الحرب التي نشأت بين مخرج الفيلم "ميل جيبسون" والمتعصبين من اليهود على الحقائق التي اعتبرها اليهود إساءة لدينهم، فالغرب عموما ليس لديه تاريخ واحد معروف مثلنا، عشرات الحضارات والثقافات والعقائد المختلفة كانت تقف في وجه الحضارة العربية الإسلامية وتحاربها.
إذا قررت كل من قناة الجزيرة وقناة الإم بي سي المضي في إنتاج مسلسل "عمر بن الخطاب"، فإن عليهما ان تأخذا خطوات بسيطة، تبرز حجم المسؤولية لأي مؤسسة إنتاجية عربية، تسعى لإنتاج فني تاريخي إسلامي، وهي عرض النصوص على المرجعيات الموثوقة والمعتمدة وأخذ موافقتها، وتدريب أشخاص لم يمثلوا سابقا ولن يفعلوا لاحقا، ممن لديهم تاريخ نظيف، ثم تقديم إنتاج مرتفع المستوى والتقنية، إضافة إلى النوايا السليمة في الرغبة لرفعة هذه الأمة وإبراز قوتها بهدف تحفيز الأجيال للاقتداء بهذه الشخصيات التي حصلت على مكانتها التاريخية بكل جدارة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جلال الخوالدة