كان صباحا مفجعا ذلك الذي شهد الحريق في قلب عمان النابض ، في أسواقها الشعبية والتراثية المذهلة والتي لا تمثل فقط مجمعا تجاريا بل تمثل إرثا تاريخيا وذكرى جميلة لكل الأردنيين والأردنيات الذين تسوقوا فيها منذ عقود طويلة.

المدن لا تقاس بالحراك التجاري والبنايات الجديدة بل بروحها التاريخية ، والأسواق الشعبية في وسط البلد هي من أسس البنية الثقافية والتاريخية لمدينة عمان ، والمصاب الذي ابتليت به في صباح الخميس لم يكن فقط مؤثرا على أصحاب هذه الأسواق بل أيضا على ذاكرة كافة الأردنيين.

بداية لا بد من التأكيد على أن لطف الله ورعايته ساهما في عدم وقوع إصابات في الأرواح حيث بدا الحريق في ساعات الفجر وقبل وجود الباعة والزوار ، ولا بد أيضا من تقديم كل الشكر والعرفان للمجهودات الجبارة لكوادر الدفاع المدني في مواجهتهم الشجاعة للحريق وسرعة استجابتهم وبالتالي محاولة التقليل ما أمكن من خسائر حريق كبير تم الانتباه إليه بعد فترة طويلة من إندلاعه وفي بيئة ضيقة من الأزقة والمسارات القديمة تعتبر الأكثر صعوبة من حيث التعامل معها.

تبعات هذا الحريق ستكون كبيرة وسيئة على هذه الأسواق والتي خسر اصحابها ملايين الدنانير من البضاعة المعروضة والمخزنة استعدادا لشهر رمضان الكبارك ومواسم الأعياد إضافة إلى ديكورات المحال التجارية ، وسوف يتطلب الأمر الكثير من الوقت والتعويض المالي حتى تعود عمليات البيع والشراء والحراك التجاري كما كانت في السابق. ولكن الأهم من ذلك أن يتم الانتباه إلى وجود سياسة لرفع مستوى الإدارة والسلامة العامة في تلك المواقع التاريخية والتراثية في عمان وأن يتم بذل مزيد من الجهد التنظيمي والتخطيطي لتقوية عناصر البقاء والاستدامة لهذه الرموز السياحية والتاريخية في عاصمتنا والتي باتت تواجه خطر الاندثار أمام هجوم الحداثة.

لجان السلامة العامة والمهندسين والعديد من الخبرات الفنية مطلوبة للتأكد من فعالية وجاهزية البنية التحتية في هذه المناطق مثل شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء وغيرها من الشروط الأساسية لإدامة هذه المواقع. وعلى المستوى الأكبر لا بد من وجود خطة لدعم هذه المواقع التراثية خاصة مع تداعيات قانون المالكين والمستأجرين الجديد والذي قد يهدد بإخلاء عشرات المواقع التجارية القديمة والتي تمثل روح عمان وتاريخها.

بالنسبة لمواطن عمّاني ولد ونشأ في حي المهاجرين فإن هذه الخسارة في أسواق البلد تعتبر خسارة شخصية بالنسبة لي وأعتقد أن الحال لعشرات الآلاف من العمّانيين ، وربما يكون الوقت قد حان لإنشاء تجمع مثل جمعية أو منبر اجتماعي للدفاع عن هذه المواقع التاريخية واحترام أسس بقائها واستمراريتها وأن يكون هذا الحريق بمثابة جرس إنذار للجميع للتحرك نحو حماية تاريخ عمان من الأخطار الطبيعية والبشرية والرأسمالية،.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  باتر محمد علي وردم   جريدة الدستور