كما الاقتصاد فإن المعرفة تتشكل وتقيم وتدرس حسب أسلوب تحصيلها، ونسبة العمل والفكر والفن والخيال والإبداع فيها، ففي أسفل سلم الحياة الاقتصادية يقبع جامعو الطعام والثمار، ثم ترتقي الحياة الاقتصادية ومعها أيضا المنظومة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ويتحدد مستوى السلوك والرقي وأسلوب الحياة وفق تحصيل الموارد أو المعاش كما يقول ابن خلدون، فيأتي الصيد في مرحلة أعلى من الجمع، ثم الرعي، ثم الزراعة، ثم التجارة، ثم الصناعة.
وهكذا، فإن مستويات المعرفة والعمل فيها سواء في التعليم والبحث والتأليف والكتابة والآداب والفنون أو في الأعمال والمهن والصناعات والإنتاج تراوح فيها المجتمعات والجامعات والمدارس والكتاب والباحثون والأساتذة والشركات والمؤسسات والأسواق والحكومات بين جمعها وصيدها ورعيها وإنتاجها وتطويرها، وليس سرا ولا جلدا للذات (ربما) أن المعرفة لدينا في الجامعات والمدارس والصحافة والثقافة والصناعات والأعمال يغلب عليها الطابع البدائي، جمعها أو سرقتها، وليس يدعو إلى الفرح والاعتزاز نسبة الإضافة المعرفية أو التحليل أو التصنيع والإنتاج أو الإبداع في المعرفة لدينا، وهذا على أية حال ما يمكن فهمه بالإضافة إلى واقع الحال الظاهر تصريح معالي وزير التعليم العالي (الحياة اللندنية 25/10/2010) بأن الأبحاث العلمية الأردنية قليلة وسطحية وغير تطبيقية ولا تحقق الطموحات.
وإذا كان أسلوب جمع الموارد يشكل أيضا أسلوب الحياة والعلاقات الاجتماعية ومستوى الرقي والثقافة، ففي جمع الثمار يغلب سلوك البقاء بكل ما يجعل غير ذلك ممكنا ولا بأس به، من السرقة والاعتداء، ولا يتيح أيضا مجالا لارتقاء بالحياة والثقافة، ما الموسيقى والفنون والرياضة وحتى اللباس والطهو في مجتمعات جمع الثمار والصيد والرعي؟!
في جمع المعرفة لن تعدل الشهادات العلمية والمستويات الأكاديمية والمسميات الوظيفية والمناصب من السلوك الاجتماعي الفج والثقافة الضحلة، ولن يختلف حتى أسلوب تناول الطعام، ولن تتجاوز العلاقات الاجتماعية والمهنية الحسد والنميمة والتدمير وغياب الخصوصية والفردية والتعاون، وربما تكون أفضل وسيلة لحماية الملكية الفكرية على سبيل المثال عدم نشرها والإبقاء عليها حبيسة في الصدور، أو نشرها بلغات أجنبية وفي أوعية معرفية أجنبية، ولذلك تقول غرفة الصناعة إن مجموعة عوامل الابتكار والتطوير هي الأكثر تراجعا في مؤشرات التنافسية.
وكما يلاحظ في سوق العمل أن عمال المياومة هم الأقل التزاما واهتماما بالإنجاز لأسباب واضحة ومعلومة متعلقة بمستوى وطبيعة العقود والالتزامات المتبادلة والآفاق المستقبلية في العمل، وليست أخلاقية أو طبقية كما يحب البعض القول، فإن مستوى الإنجاز من بين مائة بحث اعتمدت في العام 2007 كما يقول مصدر في صندوق البحث العلمي لسلافة الخطيب (الحياة اللندنية) لم يتجاوز بحثا واحدا.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد