قطع الأردن شوطا طويلا نحو تحقيق مكانة إقليمية كمركز للإبداع في تكنولوجيا المعلومات وذلك بفضل قطاع خاص نشط وتشريعات تنظيمية متطورة. ولكن يعرف كل مواطن أردني مالك لجهاز حاسوب شخصي أن هناك ظاهرة تتكرر لدى جميع مراكز صيانة وتصليح الاجهزة وهي أن التقني المسؤول يفضل دائما القيام بفرمتة الجهاز ، أي إلغاء الذاكرة والملفات وتحميل البرامج التشغيلية من جديد وذلك كحل سحري لكل مشكلة في الجهاز. في حال كانت المشكلة فيروس أو بطء في السرعة أو حتى كسر في الهاردوير الخارجي فما أن تقول للفني "صباح الخير" يقول لكأن الجهاز بحاجة إلى فرمتة لأن ذلك يمثل الحل الأسهل الذي يسمح له بالعمل على 10 أجهزة يوميا بدون بذل جهد لتشخيص المشكلة الحقيقية.

لا داعي لأن نلوم صغار المفرمتين من فنيي مراكز الصيانة طالما أن كبار المسؤولين الذين يتم اختيارهم لقيادة وزارات ومؤسسات عامة يختارون دائما فرمتة هذه المؤسسات ما أن يجلسوا على الكرسي ، هذا في حال إختاروا الإبقاء على نفس الكرسي بدون تغييره. غريب جدا هذا التوجه الإداري الأردني الفريد في اتخاذ قرارات فورية بتجميد وإلغاء أية توجهات للمسؤول السابق ، والبدء فورا بتنفيذ قرارات قد تتناقض مع سابقتها ومسح الذاكرة المؤسسية والبدء بتكوين ذاكرة جديدة على مزاج المسؤول الجديد وكأن كل ما تم بناؤه وعمله سابقا هو توجه خاطئ والحكمة لا تأتي إلا من قبل الشخص الجديد.

هذا التدمير الشامل والمنظم للاستدامة المؤسسية يقتل كل أنواع الإبداع والعمل في المؤسسات الأردنية. إنها ظاهرة خطيرة وذات أبعاد مقلقة حتى ما بين كوادر المؤسسات والذين يتوقفون عن العمل في فترات التغيير خوفا من اتخاذ موقف وقرار قد يكون قريبا من رؤية المسؤول السابق فيتم عقابهم من قبل المسؤول الجديد ، أو التخوف من أن اية فكرة جديدة قد لا تعجب المسؤول الجديد ولذلك من الأفضل انتظار الحكمة الآتية من مكتب المسؤول ومن ثم متابعة العمل عليها.

كم من مؤسسة عامة تغير مسارها عدة مرات في بضع سنوات نحو اليمين واليسار بدون التقدم نحو الأمام لأن الذاكرة المؤسسية معطلة أو مجمدة؟ وكم من مؤسسة تمت التجارب عليها بهدف إعادة الهيكلة والإصلاح ولكن النتيجة كانت فرض رؤية واحدة وفردية؟

ليست كل التجارب سلبية لحسن الحظ. خلال السنوات الماضية أتيحت لي فرصة المتابعة الدقيقة لتجربة إحدى المؤسسات العامة التي تمكنت من تحقيق معادلة إعادة الهيكلة والإصلاح والتطوير المؤسسي من خلال ممارسة شفافة وديمقراطية تمثلت في تحديد الوظائف والمهام المطلوبة من المؤسسة بموجب القانون والأنظمة ، وتقوية المهام والوظائف بطريقة مؤسسية وليس من خلال تغيير الأشخاص وكل ذلك بمشاركة تامة من الكادر مما ساهم في صنع شعور بالملكية العامة لهذا التغيير والحفاظ عليه والدفاع عنه لأنه جاء عن قناعة وبالتالي إنعكاس التغيير على أداء أفضل وأكثر كفاءة.

اسهل القرارات هي التي تؤخذ في غرفة مغلقة ، وتستهدف الأشخاص وليس المهام وتؤدي إلى مسح الذاكرة المؤسسية ولكن هذه القرارات لا تحقق تطويرا ، وستبقى تداعياتها تؤثر على أداء المؤسسة لسنوات طويلة وتخلق جوا من عدم الثقة وطاقة سلبية مضادة تحاول استعادة الحالة السابقة بنفس الأسلوب المتسرع الذي تم من خلاله التغيير.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  باتر محمد علي وردم   جريدة الدستور