هناك من يستيقظ متوجساً قلقاً مضطرباً، وقد عقد العزم على تنفيذ "فكرة جهنمية" خطرت بباله مساء أمس، جعلته يتقلّب طوال الليل متحمساً لتنفيذها، فكرة وسوس بها خياله ليحقق الشهرة والنجومية ويبدو مختلفاً عن الآخرين. لا يأبه أن تتعارض فكرته تلك مع رأي عامة الناس، ولا يعنيه أن تتضارب مع الأغلبية وميولهم واتجاهاتهم، على العكس يصحو متأملاً ومستجدياً أن يجد من يحارب فكرته لتشتد المعارك حولها وحوله فيصبح بطلاً، ويراهن على الذين لا يعجبهم ما يقول، فيتحدثون عنه ويمسي ضحية لحرية الرأي والتعبير، ويحقق هدفه، فيتبدل الموضوع، وينسى الناس مواضيعهم الأساسية، فالحديث كله يستعرض تاريخه وبطولاته وإنجازاته، التي كانت كلها على الشاكلة نفسها.
يستيقظ متجهماً محاطاً بزهو روعة فكرته التي تفرّق الناس، فيبدأ اتصالاته مع وكالات أخبار تقتات على بث الفتنة والخلاف، ومع صحف تتلقف أي رأي ومن أي نوع لتستبدل موادها المكررة التي ملّها الناس وكرهها القرّاء، ويبدأ اتصالاته مع الأعداء وأصدقاء الأعداء وأعداء الأصدقاء ليقول لهم إنه قد قرر أن يمضي معهم قلبا وقالباً، وأنه سيحتاج دعمهم ومؤازرتهم وسيقدم لهم الدعم الذي يحتاجونه إذا تطلب الأمر، مهما كان الثمن.
وهناك من يستيقظ في الصباح الباكر، وقد علم أن الإصلاح يبدأ بالنفس، ويبدأ بالبيت والأسرة ثم ينتقل إلى المحيط الصغير في العمل، ثم يمتد إلى إصلاح الأقارب والأصدقاء بالكلمة الطيبة والحسنة، والتخفيف عن الناس وتهدئة روعهم لا بتأجيج معاناتهم وتأزيم جروحهم. فيقرر دائماً أن يكون جزءاً من المساعدة في عملية البناء، وملاحظة الأخطاء هنا وهناك، ومناصحة ولاة الأمر، في المستويات كافة، ومن دون ملل أو كلل. يبحث عن أي وسيلة لتخفيض الضرائب والأسعار، ومحاصرة غلاء المعيشة، وإصلاح الشوارع المليئة بالحفر والمطبات، وإيجاد حلول لأزمات المواصلات واختناقات السير، وملاحقة الفاسدين والتنبيه لوجودهم وعدم السكوت عليهم.
يستيقظ نشيطاً فرحاً وقد قرر أن يكون إصلاحه بالعمل لا بالكلام الكثير، يوقظ أهل بيته أولاً ويدعوهم لحسن الخلق، ويدعو زملاءه إلى عدم التوقف عن العمل أو إهمال المراجعين وتأخير إنجاز المعاملات. يستعد للمشاركة في أي عمل تطوعي وإنساني حوله، في الجمعيات الكثيرة التي تساعد الناس وترعى الأسر الفقيرة والمحتاجة وتساعد الباحثين عن العمل، وقد يذهب ليكون عضوا في برنامج سياسي لحزب أو مؤسسة إعلامية ليستمر في المشاركة والنصح وتحويل الطاقة الهائلة التي لديه من حب الوطن إلى اقتراحات يقدمها ويتابعها حتى النهاية من خلال النقاش والحوار الذي يؤدي إلى نتيجة فعلية ولا يتسبب في إضاعة الوقت والفرص.
وهناك من يستيقظ غير عابئ بشيء، ولا يعنيه أي شيء، وليس جزءا من أي شيء، يأكل ويشرب وينام، وقد لا يعلم ما يجري حوله، ولا يهمّه أن يعلم فلا يهتم بأحد ولا أحد يهتم به.
المجتمعات مليئة بهذه النماذج، وفيها أيضاً المخلصون والحريصون وفيها الناقمون واليائسون، وحين أستيقظ في الصباح الباكر، يصيب قلبي الشغف أن أسأل "نفسي" كل يوم: من أنت من بين كل هؤلاء؟
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد جلال الخوالدة