التقرير الذي نشرته الرأي للزميلة سهير بشناق (نسيت التاريخ) عن التحايل والتزوير لأجل الحصول بغير وجه حق على منح ومعونات من صندوق المعونة الوطني ومن الجمعيات والمؤسسات الخيرية والاجتماعية، يسلط الضوء ويفتح المجال واسعا لمراجعة الأساليب المجتمعية في إفساد وإفشال العمل الاجتماعي، ويؤشر على حالة مقلقة في تناميها ورسوخها، وهي ادعاء الفقر بدلا من العكس.
الأصل أن يحاول الناس إخفاء فقرهم "يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف"، وأن يعفوا عن الصدقات والمساعدات، ولو كانت ظاهرة ادعاء الفقر محصورة وقليلة لكان الأمر هينا، ولكن يبدو أنها تتحول إلى ظاهرة اجتماعية متفشية.
وهنا نواجه مسألة هي أكثر خطورة وفسادا من الفقر والحاجة، برغم أنها من التحولات والتداعيات الثقافية والاجتماعية المصاحبة للفقر والتراجع الاقتصادي، ولكن ذلك ليس التفسير الوحيد للظاهرة، فنحن أمام موجة كاسحة من فقدان القيم الاجتماعية والثقافية في العمل والحياة، من العمل الجاد، والتضامن والتكافل، والانتماء والمشاركة.
وإذا أدرجت ظاهرة ادعاء الفقر مع ضعف إنتاجية العمل والعامل (في القطاع العام والخاص أيضا) والعزوف عن كثير من الأعمال والمهن والحرف، وميل أصحاب العمل لتشغيل غير الأردنيين (ليرتاح من وجع الرأس والالتزامات القانونية والاجتماعية) والتعلق بالمظاهر على حساب الجوهر، كما في المناسبات والتعليم الجامعي، وضعف المشاركة العامة والعمل التطوعي، وضعف الاهتمام الثقافي والفكري، والإنفاق الهائل على غير الأولويات والامتناع عن الإنفاق على الأولويات (مقارنة بين الموبايل والكتب على سبيل المثال، أو اقتناء ستالايت بدلا من ثلاجة أو غسالة)، وضعف الادخار، وعدم الاهتمام بالمشاركة في الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي، وفي المقابل تبذل جهود كبيرة للتوسط لأجل العلاج والمساعدة، وغير ذلك كثير، سنجد أن ظاهرة ادعاء الفقر هي جزء من تحولات سلبية وخطرة تجري في الثقافة المنظمة لمواردنا وحياتنا.
ليست وظيفة صندوق المعونة الوطني تحسين مستوى حياة المجتمع، فهذه عملية كبرى وشاقة ينهض بها الاقتصاد الوطني، ولكن الصندوق يساعد فئة من الناس (يفترض أنها نسبة قليلة) على تحسين حياتها ومواجهة الفقر، لأنها لأسباب مختلفة غير قادرة على الاندماج والمشاركة في الحياة الاقتصادية السائدة، فيساعدها الصندوق لتحصل على الاحتياجات الأساسية، ولكن هذه المعونة ليست حلا للبطالة، ولا الفرق الكبير بين التطلعات والاحتياجات والدخل، فهذه مسائل متعلقة بالطموح وليس الفقر، وإذا كان ادعاء الفقر يساعد الناس على الحصول على تطلعاتهم وليس فقط احتياجاتهم الأساسية، ففي ذلك تدمير لمنظومة العمل والكفاح والطموح الجاد والمضني.
بالتأكيد من حق الأردنيين أن يحصلوا على أفضل الخدمات في التعليم والصحة والاتصالات والإنترنت والترفيه، بل يحب عليهم أن يحصلوا عليها، ولكن ليس على هيئة منح ومساعدات، فهذه كارثة لا تقل عنها الفرص الممنوحة لغير مستحقيها.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد