في اللقاء الذي جمع أسرة الدستور مع الدكتور عبد الإله الخطيب رئيس المجلس الاقتصادي الاجتماعي كرر الكثير من الزملاء أهمية التركيز على دراسة ظواهر التشنج الاجتماعي والعنف والتوتر وفيما إذا كانت ظاهرة عارضة أم تغيرا جذريا طويل الأمد ، ومدى علاقة ذلك بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. الإستخلاص الذي تم الوصول إليه في النقاش مفاده أن هناك حاجة إلى دراسات علمية تحدد التوجهات والتغييرات Trends التي تحدث في المجتمع الأردني وخاصة سلوكيات العنف وتجاوز القانون ، وقد كان الدكتور الخطيب محقا تماما في وصفه لمعيار التقدم في أية دولة وهو مدى الجهد الذي تبذله مؤسسات الدولة في فرض القانون. ومن الواضح أن هذا الجهد بدأ يتزايد في الأردن سواء على مستوى سلوكيات القيادة في الشوارع أو الحراك الجماعي الغاضب الذي يتعلق بأعمال العنف الاجتماعية.
سوف يدرس المجلس الاقتصادي الاجتماعي هذه الظواهر ويقدم توصيات للحكومة بناء على دوره الإستشاري ، وفي هذا الصدد يمكن الإستعانة بتجربة الأشقاء في مصر (كما في قانون الضريبة،) والتي تمثلت في دراسة مهمة حول تغيرات القيم في المجتمع المصري والتي أعدها مركز المعلومات ودعم القرار في رئاسة الوزراء. هذا البحث الجدي والمهم قدم تصورا علميا دقيقا لحالة القيم في المجتمع المصري ، وهو يشبه إلى حد بعيد المجتمع الأردني في مواجهته الدائمة للآثار السلبية للانتقال من اقتصاد مركزي زراعي إلى اقتصاد سوق مفتوح وخدمات وكذلك آثار العولمة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، وتراجع الموارد الطبيعية وزيادة الإكتظاظ والنمو السكاني والتباين في الدخل والفجوة الكبيرة ما بين الأقلية المترفة والإغلبية التي تجهد لكسب العيش ، ناهيك عن الفساد الإداري والمؤسسي في كافة القطاعات واحتكار كبار رجال الأعمال للسلع والمنتجات والخدمات الاساسية.
الدراسة المصرية راجعت القيم الاجتماعية في سياقها التاريخي. في الخمسينيات سادت قيم العدالة الاجتماعية والمساواة خاصة مع التوسع في التعليم الذي ساعد على إزالة الحواجز الفاصلة بين الطبقات الاجتماعية. تغير الحال في السبعينيات والثمانينيات. إذ اختلفت سياسة الدولة من التقييد إلى الانفتاح. ومن التدخل في شؤون الاقتصاد إلى الانفراج والحرية. مما ساعد على بروز قيم الفردية والأنانية. كما برزت قنوات أخرى ساعدت على حدة الصعود والهبوط للطبقات الاجتماعية. فظهرت الشركات الانفتاحية والبنوك الخاصة ومكاتب التصدير والاستيراد ، والمكاتب الاستشارية الأجنبية. وأصبح العمل في خدمة كل ما هو أجنبي طموحا وتميزا ، ليس فقط على المستوى الرسمي (من قبل الدولة) بل أيضا على مستوى الثقافة الشعبية.
ولكن المشكلة الأكبر كانت في فترة التسعينات حيث حدد البحث متغيرات في القيم والسلوك أهمها انتفاء قيمة الخير والحب. إذ أصبح الخير والسعي إليه والعمل على تحقيقه سواء للذات أو للآخرين من الأمور النادرة ، وكذلك تراجعت قيمة الإحساس بالأمان والطمأنينينة وغابت قيمة العدالة وتراجعا قيم العلم وحدث إزدراء للغة العربية. بالإضافة إلى ذلك حدث تراجع في قيمة الأسرة التي أصبحت تواجه خطر التفكك ، في ظل غياب التراحم ، وزيادة مؤشرات الفردية والأنانية والاستغراق في المظهرية والتطلعات الشخصية كما تراجعت قيمة الإنتماء للوطن.
أهم التغيرات التي رصدها التقرير في رأيي الخاص هي تراجع القدوة. إذ أصبح الناس يفتقدون النموذج الذي يقتدون به ، خصوصا في ظل انتشار أخبار الفساد في المناصب الرسمية وكذلك في القطاع الخاص والمدني ، وحتى على المستوى الاجتماعي والعائلي فقد أصبحت قيم الفهلوة والكسب السريع والفخر بالمال بغض النظر عن مصدره سواء كان شرعيا أم بالغش هي المحركات الأساسية للهوية الفردية.
غياب القدوة هو أحد أخطر وأهم أسباب تراجع القيم الأخلاقية ، وربما يكون على الإعلام دور في إظهار النماذج الإيجابية في المجتمع والتي حققت تغيرا في حالة الناس بسبب العمل والجهد النظيف والنزيه والتأكيد على أن هناك الكثير من الأشخاص الذين يحتفظون بقيم الصدق والنزاهة والأمانة ، والأهم من ذلك أن يكونوا في موقع صناعة القرار في المؤسسات العامة والخاصة حتى يكونوا قدوة حقيقية فيما هو إيجابي أثناء أدائهم وكذلك إيصال رسالة ثقة للمواطن مفادها أن من يكون نزيها ونشيطا يمكن أن يحصل على موقع إداري ولن يستمر في دفع ثمن نزاهته ، كما هو معظم الحال في بلادنا،،
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة باتر محمد علي وردم جريدة الدستور