حين تغيب الحقائق، يصبح الباب مفتوحا على مصراعيه للتأويل. يصل التأويل أحيانا إلى التشكيك، ويصل أحيانا أخرى إلى مرحلة قلب الحقيقة برمتها، وينطلق الخيال إلى مساحات جديدة. ومع تراكم التأويلات وشطحات الخيال، يصبح الانطباع العام هو الحقيقة، أما الحقيقة ذاتها، فلا يعود يفكر فيها أحد.
هذا هو حالنا في معظم الأشياء، تلك التي نسميها أحيانا غياب الشفافية، فأين هي الحقيقة للتدخل الفعلي للأجهزة الأمنية في الحياة السياسية؟ وأين هي الحقيقة في علاقة الأجهزة الأمنية مع الإعلام؟ وأين هي الحقيقة في موضوع السجين الطليق؟ وأين هي الحقيقة فيما جرى في الطفيلة فعلا؟ وأين هي الحقيقة في بقاء هذه الحكومة أو استقالتها أو تعديلها؟
لن أدافع عمّا يتصوره الناس أو يظنونه، وما الإعلام إلا إنعكاس لما يدور في خلد السواد الأعظم من الشعب. وكذلك لن أدافع عن الأجهزة الأمنية، مع أني أعلم أن دورها في الحياة السياسية محدد في تقديم تقارير دورية عن حالة الوطن، هواجسه، تقلباته، ظروفه، شخصياته، أحلامه، قد يضاف إليها أحيانا بعض التوصيات، وقد يطرأ بعض التدخل المباشر، أو محاولة فرض حالة أخرى لوضع مربك، ولكنها في الغالب تكون طارئة أو تصرفا فرديا رأى الحكمة في التدخل، وأحيانا تصيب وأحيانا أخرى تأتي بنتائج عكسية.
التدخل الأمني في الإعلام، وحسب معلوماتي المؤكدة، قليل نسبيا، قد يتوجب أن لا يكون موجودا أصلا، لأن معظم الصحافيين ورؤساء التحرير مهنيون محترفون، ويتمتعون بالحرية المسؤولة، ويعلمون ما يحتاجه الوطن فعلا، وما يجب إيصاله إلى الناس بقدر عال من الشجاعة، تلك الشجاعة التي تجعلهم يكتبون أحيانا ما يكرهون، أو يكرهون ما يكتبون، ومع ذلك فهناك من يتبرع باستمزاج الرأي، وهناك من يتصرف وحده، في الإعلام الخاص المطبوع والإلكتروني، حدث أن تأكدت أن التدخل قد انخفض خلال العام 2010 - 2011 إلى أكثر من 80 % مما كان عليه قبل ذلك، أي لو كانت نسبة التدخل العام 2009 بمقدار 8 %، فإنها أصبحت بمقدار 2 % فقط، حسب دراسة وبحث ومعلومات صحيحة ودقيقة.
الحقيقة في موضوع السجين الطليق، يجب أن يترك بالكامل، ومن دون تأويل، لهيئة مكافحة الفساد، مع تقديم خطوات توضح قدرة الدولة على إعادة أي سجين أو محكوم أو متهم، وحتى لو لم تكن موجودة، يجب أن يتحرك طاقم قانوني دبلوماسي خبير، لتوقيع أي معاهدات أو تشريعات تعزز من مكانة الدولة، في هذه الحالة أو في غيرها، مع عدم الخوف من أي تبعات وآثار مترتبة، فليس هناك أعز من إظهار هيبة الدولة، في كل المستويات.
ما جرى في الطفيلة فعلا، وكنت مطلعا بشكل مباشر، واستمعت إلى شهادات حقيقية، هو مؤسف حقا، في تصرفات شباب الحراك وفي وعود المحافظ بالسماح لهم بتقديم كلمة أمام الملك، ثم عدم الوفاء، وفي اشتباكهم مع رجال الأمن، وفي ردة فعل الأمن التي لم تمتص وتستوعب في تلك اللحظة حجم الحدث، ووجود القائد في المكان. وكذلك مؤسف من وكالات الأنباء العالمية التي نشرت خبرا مكذوبا عن رشق الحجارة من دون التأكد، ومؤسف جدا، حين كذبت الخبر أيضا بصورة مشوهة، والمؤلم أن الإعلام الرسمي لم يتصرف بسرعة وحكمة، وبعض المواقع راحت تنشر الخبر من دون تفكير، ولم يتعاون أحد لإعادة المشهد الحقيقي الذي يزدان بحب الشعب للقائد، وعشق الطفيلة لسيدها وحبيبها أبي الحسين.
أخيرا، لماذا لا يقوم دولة رئيس الوزراء، أو وزير الإعلام، بإيضاح الصورة الحقيقية لوضع الحكومة؟ هل هي باقية أم استقالت، أم أنها تنتظر شيئا ما، أم سيتم تعديلها، ونغلق ملفات التأويل كلها؟
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد جلال الخوالدة