ليس انتصارا كبيرا ومهما للمسلمين إقامة مسجد نيويورك، ولا هي هزيمة كبرى أنْ لا يقام المسجد، فالمسلمون في بلادهم قضيتهم الأساسية وأولويتهم الكبرى هي الحرية والعدالة، وأولى بالمشتغلين والقلقين على المسلمين وأوضاعهم في أنحاء العالم أن تشغلهم الحرية وغيابها والعدالة وغيابها، فذلك ما يقوم عليه الدين والحياة معا، ولن يزيد شيئا بناء مسجد في نيويورك كما لن ينقص شيئا عدم بنائه.
سمعت من الدكتور عبد الكريم غرايبة أن مدينة الناصرة بقيت منذ أن دخلت في العهد العربي الإسلامي في عام 640م إلى منتصف القرن التاسع عشر مدينة مسيحية ليس فيها مسجد واحد، وكان أول مسجد أقيم فيها بتبرع من الفاتيكان، فقد واصل المسلمون احترام الطابع المسيحي للمدينة.
وفي جميع الأحوال فإن بناء المساجد وارتفاع المآذن في الغرب أو القوانين المتعلقة بالمواطنين المسلمين الأوروبيين والأميركيين هي قضية تخصهم، وهم قادرون على إدارتها وفق تقديرهم لمصالحهم وعلاقاتهم بحكوماتهم، ويملكون من الحريات والإمكانيات أفضل بكثير مما نملك في الشرق العربي والإسلامي، ولا يحتاجون لفزعتنا، بل نحن بحاجة إليهم أكثر مما يحتاجون إلينا، وأولى بهذه الغضبة المضرية لأجل مسجد في نيويورك أن تكون لأجل الحقوق الأساسية والحريات والعدالة في الفرص والمساواة التي تكاد تكون محرمة على العرب في بلادهم، فالإسلام مهدد في بلاده، وليس في نيويورك.
الأمثلة كثيرة جدا والتي تصلح للتوضيح كيف استطاع الإعلام أن ينشئ بيئة اجتماعية وسياسية وإعلامية تشجع على الاعتداء على العرب والمسلمين وانتهاك أبسط حقوقهم من دون حاجة إلى سند قانوني وقضائي، وكيف تمرر هذه الاعتداءات وتكون متقبلة لدى الرأي العام والمحاكم والإدارات، وتعطي دروسا مهمة للعرب والمسلمين للمشاركة في اللعبة الإعلامية على النحو الذي يساعدهم ولا يضر بهم وبقضاياهم.
ولكن يمكن إدارة الأزمة في سياقات مختلفة ومتعددة تميز بين المعارك والحالات، وتفرق بين ما يختلف عليه ويتعاون لأجله، وتميز بين الدين والمواطنة، وبين الدول وعلاقاتها.
وأما المسلمون في العالم فيجب أن يتركوا للمسلمين الأوروبيين إدارة وتنظيم أزمتهم مع الدول والمجتمعات الغربية على النحو الذي يقدرونه، ففي دفاعنا المستميت عنهم وفي حملات المواجهة مع الإساءة إلى الإسلام والمسلمين في الغرب نزيد مشكلة المسلمين الأوروبيين ضراوة، ونحولهم إلى أغراب ومتسللين في أوروبا، ولا نفيد قضيتهم في شيء، ولا نفيد أيضا في قضية الإساءة إلى الإسلام والمسلمين، بل نزيد الغرب عداء وضراوة، ونعطي فكرة عن أنفسنا بأننا مستفزون ويسهل استفزازنا واستدراجنا، وكأن الغرب يتسلى بإثارتنا.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد