أهم حجة يستخدمها مقاومو الإصلاح السياسي في الأردن (تعزيز مفهوم المواطنة ودولة القانون وتعديل قانون الانتخابات والأحزاب والتجمعات العامة والمطبوعات والنشر واللامركزية في الإدارة وتحديث المجتمع.. الخ) هي المتعلقة بضرورة "وضوح الرؤية" فيما يتعلق بالمفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وحسم معادلة الولاء السياسي لنسبة كبيرة من المواطنين الأردنيين ، وخاصة من ذوي الأصول الفلسطينية.
ما يضيف القوة لهذه الحجة المحاولات الحقيقية أو الوهمية لتحميل الأردن عبء الحل النهائي للقضية الفلسطينية من خلال ما يسمى مؤامرة التوطين والتي أصبحت هاجسا دائما يسيطر على العقل السياسي والاجتماعي الأردني ويعطل كل محاولة مهما كانت خجولة لإحداث تعديل تشريعي أو توجه سياسي يصب نحو الإصلاح وتعزيز مفهوم المواطنة بالذات.
ما يجعل مقاومي الإصلاح في الأردن يتمسكون بهذه الحجة أنها تزداد أهمية مع الوقت. في ظل حكومة إسرائيلية يمينية متعنتة ورافضة لأي نوع من التقدم السلمي ومتمسكة بترسيخ الاحتلال والاستيطان ، وفي ظل انقسام سياسي وجغرافي والآن ثقافي في الحركة السياسية الفلسطينية لم يسبق له مثيل فإن فرص تحقيق الدولة الفلسطينية المستقلة تبدو شبه مستحيلة على المدى القريب ، هذا إذا لم تزداد الأمور سوءا.
وفي ظل مجلس نواب منتخب بطريقة غير سياسية ويعمل بطريقة عشوائية ويركز على المكتسبات الشخصية لأعضائه وأحزاب معارضة لا زالت ترى الحياة السياسية بمنظور الخمسينات والستينات وأخرى تعتبر الأردن "منخرطا في المشروع الصهيوني لتصفية القضية الفلسطينية" وإعلام مقيد بتشريعات تضيق حرية الرأي ويتداعى تحت ضغط الاستقطاب السياسي الشخصي بين أصحاب النفوذ السياسي فإن الإحباط يسيطر أيضا على قدرة المؤسسات الأردنية على حمل مشروع الإصلاح السياسي بمسؤولية عالية.
لا توجد مؤشرات إيجابية في القطاعات الأخرى. الجامعات تعاني من المديونية بسبب تحولها إلى مؤسسات أمن اجتماعي لتوظيف الإداريين وتنخرها مشاكل التعصب العشائري وانعزال الأكاديميين والغياب التام عن المشاركة في التنمية ، والقطاع الخاص يركز على المكاسب بدون النظر إلى المسؤولية الاجتماعية والمجتمع المدني يتسابق نحو السفارات والتمويل الأجنبي غير المنهجي ويتحول أحيانا إلى وسائل للإثراء الشخصي وليس خدمة المجتمع.
ولكن أهم مظاهر الإحباط هي في تقاعس النخب السياسية عن القيام بدورها الوطني في دعم التحديث والتطوير والعمل السياسي والتنموي واكتفاؤها بالتنظير من الصالونات السياسية والمحاضرات والتصريحات والدخول في مواجهات ذات طابع شخصي تجر معها قطاعات أخرى أهمها الإعلام واستخدام شعارات تفرق بين أفراد المجتمع وتعادي قيم الإصلاح السياسي والثقافي ، وفي غياب النخب القادرة فعلا على تحمل مسؤولية الإصلاح والتحديث لا نجد مخرجا واقعيا من حالة الجمود السياسي الراهنة.
هناك وقائع لا يمكن نكرانها وأهمها أن حالة الاستقطاب السياسي والإقليمي في الأردن حدثت بعد تطبيق قانون الصوت الواحد. ففي العام 1989 خرج الأردن من الأحكام العرفية وفي مرحلة انتقالية هشة طبق الأردن قانون انتخاب 1989 الذي سمح بتحقيق تحالفات سياسية جيدة ووجود مجلس نواب قوي قادر على مقارعة الحكومة في الشأن السياسي لا في الصفقات الاجتماعية والمالية والبحث عن المكاسب الخاصة ، ومن المؤكد أن تزايد حالة الاستقطاب الديمغرافي حدثت نتيجة القانون الحالي وهي في طريقها للزيادة في حال تم إجراء الإنتخابات القادمة على خلفية عشائرية وجهوية متوترة صنعها قانون الانتخاب وساهمت فيها حالات العنف الجماعي المتزايدة.
الخطيئة التي لا يزال البعض يرتكبها مفادها أن تصوير قضية الإصلاح السياسي في الأردن بأنها مطلب من فئات سكانية محددة طبعا "بمؤامرات صهيوينة وأميركية" من أجل التوطين. وهذا ما يعني ظلما كبيرا وإساءة بالغة لمئات الآلاف من المواطنين الأردنيين من الأصول الشرق أردنية والذين يؤمنون ايضا بضرورة الإصلاح السياسي والإداري لجعل الأردن دولة قادرة على المنافسة والنجاح وتحقيق المساواة والعدالة والتحديث بكل أشكالها. فليس صحيحا أبدا أن التمايز في مواقف دعم الإصلاح والحفاظ على مراكز القوى الحالية هو تمايز إقليمي ، ومن الخطأ الكبير ترويج مثل هذه الفكرة لأنها تشكل سببا لوأد فكرة الإصلاح في مهدها وهذا تماما ما يريده المنتفعون من الوضع الحالي والرافضون للإصلاح.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة باتر محمد علي وردم جريدة الدستور