لم يعد يزرع وينتج في الأردن من احتياجاته من القمح سوى 2 %، ولا يمثل ذلك فقط تحولا اقتصاديا، ولكن تحولات اجتماعية وثقافية كبرى، فالأردن والقمح يرتبطان معا، وربما تكون أول معرفة للإنسان بزراعة القمح في سهول حوران وحوض اليرموك، وظل مرتبطا بحياة الناس وثقافتهم وهويتهم أيضا.
الحالة تشبه توقف زراعة الأرز في الصين وآسيا، أو توقف صيد السمك في السواحل والجزر، فلا يعني ذلك فقط تحول النمط الغذائي والاقتصادي، ولكنه يمثل نزفا هائلا في الموارد والأراضي الزراعية والإنتاج، عندما تتحول دول ومجتمعات إلى الاعتماد الكلي شبه النهائي على ما تنتجه أراض وبلدان أخرى بعيدة، ذلك يعني ببساطة هدر أراض وموارد البلد المستورد، والضغط على موارد البلد المصدر، وهذا ما حول الأزمة الغذائية إلى تهديد كبير قبل سنتين، وقد لاحظنا كيف تضاعفت أسعار الأرز خمسة أضعاف!
انهيار إنتاج القمح ونسبة كفايته في الأردن ليس مرده فقط إلى تضاعف عدد السكان، ولكن إلى الانحسار الهائل في مساحة الأراضي المزروعة بالقمح (بدلا من زيادتها)، لتنخفض خلال نصف قرن إلى أقل من 5 % مما كانت عليه، ففي الوقت الذي يتضاعف فيه عدد السكان يتضاعف انحسار الأراضي المزروعة بالقمح، ليتحول الأردن من مصدر تاريخي للقمح، ومشهور في أوروبا بجودة وتميز نوعية قمحه، إلى مستورد هائل، بل ومعتمد على المعونات وهبات القمح من العالم البعيد.
ولا بأس من التذكير بأن المشروع الذكي والعظيم (تطوير وتأجير أراضي حوض الديسي) الذي أنشئ أساسا لأجل إنتاج القمح وسد العجز في الاكتفاء الذاتي نجح في بدايته في إنتاج القمح وتصديره أيضا، ولكن لسبب ما ومحير توقفت الشركات الاستثمارية عن زراعة القمح، برغم أنها حصلت على تلك الاراضي الثمينة والمروية بأجور رمزية تقترب من الهدية المجانية لأجل زراعة القمح.
أتذكر حتى أواخر السبعينيات في بلدنا أن أحدا لم يكن يشتري الخبز، وأن شراء الخبز كان يجري الحديث عنه بيننا ونحن أطفال باعتباره أمرا عجيبا ومستغربا يحدث في المدن، وكانت جميع العائلات تنتج وتخزن ما تحتاجه من الخبز لمدة عام كامل في كواير ومخازن، ويجري إعداد الخبز في البيوت، وأظن أن أحدا اليوم لم يعد يفعل ذلك، وربما يكون لا بأس بذلك لو تواصلت زراعة القمح وإنتاجه، وربما يكون مفهوما أن تتناقص نسبة الاكتفاء من القمح مع زيادة عدد السكان، ولكن غير المفهوم هو التوقف عن زراعة القمح، بل واختفاؤه شبه النهائي، في الوقت الذي مانزال نعتمد في غذائنا اليومي عليه، وفي الوقت الذي لم نتحول إلى إنتاج بدائل إنتاجية واقتصادية أفضل من الزراعة.
ربما تكون حالتنا قابلة للجدل لو كنا قد أنشأنا اقتصادا صناعيا وشغلتنا صناعة السيارات والكمبيوترات عن الزراعة، ولكن حتى البلاد التي تعتبر الأكثر تقدما في الصناعة والتقنية والتنمية ماتزال هي أيضا الأفضل والأهم في الزراعة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد