ما هذه الفوضى والتشويه في موضوع الخصخصة؟ فبينما يخطئ بعض الأشخاص، في حكومات سابقة، ويتخذون قرارات بيع الشركات وخصخصتها ظناً منهم أنهم حققوا إنجازات كبيرة أو لظنون أخرى، تخطئ هذه الحكومة، للأسف، ومعها مجلس النواب، وبشكل ارتجالي، ويؤسسون لتشويه صورة الاستثمار في الأردن، بفتح الملف، في فترة حزمة مكافحة فساد، ليدفع الوطن في النهاية ثمناً باهظاً، ويتعرض لخسارة مضاعفة، ستؤدي بلا شك إلى عزوف المستثمرين عن الاقتراب من الأردن، وشطبه من قائمة الدول التي يمكن الاستثمار فيها.
لماذا لا نعترف أن المشكلة ليست في الخصخصة ذاتها، وأن المشكلة تكمن في طريقة تنفيذ الأفكار، وأننا لا نستطيع الالتزام بخطة تعتمد الشفافية معياراً لها، وأننا دائماً نتعجل القرارات وإطلاق الأحكام، وأننا نضع دائماً أهدافاً قصيرة المدى، ونسمح أيضا، فوق كل ذلك، أن تتدخل المصالح الشخصية والتنفيع في تلك الأهداف الصغيرة الضئيلة، وأن المشكلة أيضاً، في متابعتنا وتقييمنا لطريقة استثمارنا للعوائد وتوظيف الموارد؟!
الأصل أن الخصخصة مشروع اقتصادي وطني كبير، يقوم على إيماننا أننا بحاجة إلى موارد جديدة، تعوّض النقص والخلل في مواردنا، وأننا دولة لديها ما يكفي من الخامات الطبيعية، والكفاءات البشرية المتخصصة القادرة على تحويل التراب ذهبا، وأننا قادرون على إنشاء مؤسسات منتجة، وإعادة بيعها وطرحها للاستثمار، واستعمال مواردها كاملة في إنتاج مؤسسات وشركات أخرى، وتوظيف الموارد في مكانها الصحيح، وليس صرفها على الرواتب والأجور، أو على مؤسسات أخرى فاشلة!
الأصل أن الخصخصة تطرق أبوابا جديدة وقطاعات منسية، وتعمل بجد على اجتذاب المستثمرين، وإغرائهم بدراسات جدوى حقيقية، وتشجعهم على المنافسة للحصول على تلك الفرص، من خلال التشريعات الاقتصادية وفتح الأبواب أمامهم، وليس بإظهار أننا بلد ينصب الأفخاخ للمستثمرين، وينتظر وصولهم إلى المصيدة للإطباق عليهم وتصفيتهم.
الأصل أن تتوفر هيئة متخصصة مؤهلة تستوعب خطة الوطن الكبيرة، تتفهم احتياجاته وإمكاناته، تدرس وضعه السابق والحالي، وتقدم تصوراً شاملاً للمستقبل؛ تصورا استراتيجيا يعتمد على استثمار كل الإمكانات بالحد الأعلى من التخطيط المحكم، خطة لا يتم تبديلها كلما تغير رئيس وزراء أو وزير الصناعة والتجارة أو التخطيط، أو مدير هيئة تشجيع الاستثمار أو أي من المؤسسات المعنية، خطة نستوعبها وننفذها بأمانة ومهنية واحتراف، وليست خطة عليها استيعابنا والبقاء تحت رحمة أمزجتنا وارتجالنا.
أعتقد أن الحكومة ومجلس النواب أخطآ بفتح هذا الملف الآن. وكان يمكن دراسته بتأمل أولاً. وكذلك، عليهما حل المشاكل الأساسية، كإصلاح النظام الضريبي عموما، والتخفيف من صعوبة تطبيق الإجراءات الخاصة بالإعفاءات الضريبية والجمركية، والتفكير بجدية في تقليص دور القطاع العام وهيمنته بفتح مساحة أكبر للقطاع الخاص، وإيجاد آلية عملية لتطوير العلاقة بين القطاعين، وليس العكس. كذلك تبسيط كافة الإجراءات الحكومية المتعلقة بعمليات الاستثمار أو الحصول على التراخيص والإعفاءات الخاصة بالمشاريع الاستثمارية، وشدّ الهمم لجذب المستثمرين ووضع الفرص أمامهم، إضافة إلى الاهتمام بتطوير الموارد البشرية الأردنية، وفتح كل أفق ممكن للتدريب والتأهيل.
ما نحن بحاجة إليه فعلا هو ترسيخ الثقة بالاستثمار لدينا، وليس إظهار عيوبنا ونشر غسيلنا. نحن بحاجة ماسة إلى التحدث عن إمكاناتنا وإيجابياتنا، وليس التركيز "فقط" على سلبياتنا والطعن في كل نوايانا. ما نحن بحاجة إليه هو أن نؤمن أن بلدنا طيب، وأن الخير فيه كثير، وأن نؤمن أن "الوطن ليس مجرد كعكة لذيذة نتناولها ونمضي، بل هو بيت دافئ حميم، يُصنع فيه الكعك للجميع".
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد جلال الخوالدة