الصديق وائل أبو هلال، وهو من قادة الإعلام العربي (مدير فضائية القدس، ومركز تدريب إعلامي) يداوم على المتابعة والتعليق في صحيفة الغد، وقد أرسل لي بالإيميل ملاحظات حول مقالتي "صيام الفلاسفة، وصيام درجة أولى" مذكرا بتجربة الدعاة في الصيام، والتي تأخذ موقفا وسطا بين صيام شعبي وفولكلوري وصيام فلسفي عميق وتأملي، وكان شباب الإخوان المسلمين ينشطون في توظيف الدوافع والحوافز الدينية المتشكلة في رمضان لاكتساب متدينين جدد يواصلون التزاماتهم الدينية بعد رمضان..
في تلك المرحلة كان التدين محدودا، ويكاد يقتصر على شباب الإخوان والجماعات الإسلامية، وكان شباب الإخوان هم الكتلة الرئيسية في رواد المساجد والحلقات الدينية، وكانوا ينشطون في الاتصال والحوار وبرامج العلاقات العامة القائمة على الرفق بالناس واجتذابهم إلى الدين، ولكنها بطبيعة الحال مراحل وأفكار وبرامج انتهت بالإقبال الكبير للناس على التدين، ولم يعد ممكنا استيعاب المقبلين على المساجد والعبادة بتأليف القلوب، فهي أولا برامج تربوية انتقائية تصلح لأعداد قليلة، والناس مقبلون على التدين من دونها، ولكنه تدين يغلب عليه كثير من السذاجة، أو ما يمكن تسميته بالطفولة والمراهقة التدينية على الرغم من أن معظم المتدينين راشدون في سنهم وفي حياتهم الأخرى غير الدينية، ولا يبدو في غمرة الفضائيات والمواعظ وبرامج "الشو" والنجومية الدعوية مجال لترشيد التدين، كيف يمكن تحويل برامج الدعوة التربوية التي تنضج التدين وترشده وترسخه إلى برامج مجتمعية شاملة بدلا من الحلقات الإخوانية المحدودة أو البرامج الدينية الجديدة، التي تحولت إلى تسلية واستعراضات فنية ونجومية وشعوذة؟
يقول وائل هناك بسطاء التدين، وليس بسطاء الحياة، كثير منهم من الجامعيين والأغنياء ومتوسطي الحال ممن لم يكن لهم سابق علاقة بالتدين، يجب تشجيعهم على الارتقاء بالتدين، فالتدين مثل المهارات والمواهب التي ترتقي بالتعلم والتدريب وبالتدرج الزمني، وهذا صحيح تماما يا أخ وائل، ولكن تجاربنا على الرغم من عمقها الزمني والعملي، والتي امتدحتني شخصيا لمشاركتي الطويلة فيها لدرجة كدت أقبل بمقولاتك، لم تعد قادرة على العمل والاستيعاب، وأنا مضطر للتضحية بثنائك الجميل، لأني أرى في الأفق موجة كاسحة من العزوف عن التدين، أو إن شئت التفاؤل سأقول تدين علماني جديد ومختلف، ومليء بالشك أكثر من اليقين، وأخشى من ردود فعل واسعة تذهب بالإنجازات الجميلة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد