أعتقد أن تعليق منى المجالي على مقالتي "صيام درجة أولى" بالقول "دعوة لا فلسفة، وأن الكاتب توصل إلى رؤيته هذه حول الصيام بعد سنوات من الخبرة والاطلاع، وعندما كان طفلا أو شابا لم يكن يفلسفه بهذا الشكل، ثم إن الدين دعوة تشمل الأطفال والبسطاء والأميين، وفي الدعوة ترغيب وفرح، وليس "بؤس الفلسفة"، والسوداوية ليست من الدين بل الدين هو فرح وطمأنينة وسعادة تشع في الإنسان من حوله" هو قول صواب.
لكن من المؤكد أن الفكرة ليست موجهة إلى الأطفال والأميين والبسطاء، ولكن إلى فئة واسعة من المتعلمين والمثقفين، وهم يشكلون شريحة واسعة في مجتمعنا، فلم نعد مجتمع أميين وبسطاء، ولكننا مجتمع يغلب عليه التعليم والمهن المتقدمة والأعمال والوظائف المدينية والحضرية، وهنا تكون الكارثة عندما نسلك سلوك الأميين والبسطاء ونحن يفترض أننا مدنيون ومتعلمون ومهنيون.
هذا الترييف والتبسيط للتدين والسلوك وأسلوب الحياة يفرغ الحياة من جوهرها وأهدافها، ويجعلها في غاية العنت والشقاء، فمن المؤكد أن الذين يسدون الشوارع تماما في عمان وقت الصلوات ليسوا أطفالا ولا عمال مياومة في الأشغال والزراعة وورش البناء، ولو امتلكت قدرا من الرواق والتأمل في نوع وموديلات السيارات التي تسد الشوارع لأخذت فكرة دقيقة عن المستوى الاقتصادي (وربما الاجتماعي) لأصحابها ومستخدميها، والذين يقاتلون في الشوارع ويشيرون للآخرين بأحد أصابع أيديهم ليسوا حراس عمارات أو مستخدمي شركات التنظيف والخدمات.
قبل أيام كانت سيارة تسد الطريق تماما في وسط البلد مقابل مطعم القدس الساعة 12 ظهرا، وبرغم وقوفها المخالف وبعد أكثر من نصف ساعة من انتظاري ومروري والسائقين الآخرين لم تكن السيارة قد خولفت، رغم أنني وجدت مخالفة مثبتة على سيارتي في المكان نفسه قبل ذلك بأيام قليلة الساعة الثانية عشرة ليلا، رغم أنني كنت أوقفت سيارتي على اليمين وليس وقوفا مزدوجا كما فعل ذلك المتوقع أنه متعلم أو على الأقل يملك من المال ما يجب أن يرفعه إلى طبقة غير البسطاء، والشرطة نفسها في تركها سيارة تقف وقوفا مزدوجا في وسط البلد في منتصف الظهيرة ومخالفتها لسيارات تقف على اليمين في منتصف الليل، تعبر عن سلوك محير، ربما لا يمكننا فهمه إلا بـ"الفلسفة".
الدين والمدينة ينتميان إلى جذر لغوي واحد، ويعني في الآرامية "العدل"، ويوم الدين هو يوم العدل، بمعنى أن التدين والتمدن يقومان على العدل، ويلخص ذلك ببساطة ووضوح الأهداف والحكم المرتبطة بالتدين، ممارسة الأعمال والحياة والسلوك على أساس من العدل هو ما يجب أن يفضي إليه الصيام، في فضاء لا يحتمل أبدا سلوكا مناقضا لأنه يعطل حياة ومصالح أهل المدينة، وقد يلحق بهم ضررا كبيرا لا يمكن حمايته إلا بمستوى عال وعال جدا من استحضار جماعي وشامل للعدل وتطبيقه.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد