بداية أعتذر عن استخدام عنوان لهذا المقال باللغة الإنجليزية وذلك لسبب بسيط مفاده أنه لم يتم حتى الآن إيجاد ترجمة معتمدة لمصطلح Meritocracy إلى اللغة العربية وهذا طبيعي لأنه لم يتم ابدا تطبيق هذا المصطلح في العالم العربي ، ولا يوجد داع لترجمة ما ليس مطبقا.
يشير هذا المصطلح إلى نمط الحكم أو الإدارة المعتمد على الجدارة الشخصية في الإنتقاء ، وهو يختلف عن كافة أنماط الإدارة والحكم الأخرى ومنها الديمقراطية (حكم الشعب) والثيوقراطية (الحكم الديني) والأرستقراطية (حكم الطبقة العليا) والدكتاتورية (حكم الفرد) والبلوتوقراطية (حكم الأثرياء) والحكم المعتمد على العلاقات العائلية (نيبوتيزم). أقرب ترجمة يمكن اعتمادها لهذا المصطلح هي الحكم بالجدارة حيث تتم التعيينات والخيارات بناء على القدرات الشخصية والكفاءة بدون اي اعتبار لوسائل التفضيل الأخرى المبنية على الطبقية والثروة والعلاقات الاجتماعية والدين.
أول من استخدم هذا المصطلح كان مايكل يانج في العام 1958 خلال نقد لنظم الديمقراطية شبيه تماما بما أوضحه أفلاطون الذي اشار قبل أكثر من ألفي عام إلى نقائص النظام الديمقراطي الذي يعطي أحيانا الأفضلية لمن يتمكن من تهييج المشاعر ، وبشكل أبسط فإن الديمقراطيات أحيانا تعتمد على تقوية من تتفوق قدرات حناجرهم على عقولهم وخاصة في الديمقراطيات الناشئة حيث تفتقد نسبة كبيرة من الناخبين إلى الأدوات التقييمية لتحديد من هو المرشح الأفضل ، وفي ظل نظم انتخابية تعزز الولاءات القبلية وقوة المال كما في العالم العربي فإن الديمقراطية لن تنتج النخبة الحقيقية ذات الجدارة.
وبالطبع فإنه يمكن المجادلة بأن نظام الجدارة ليس ديمقراطيا لأنه يعتمد على تعيين واختيار مبني على الكفاءة التي بدورها قد تخضع لمتغيرات كثيرة مثل التعليم. لا شك بأن من يحصل على فرص التعليم العالي المتميز في جامعات مرموقة وخاصة في الغرب ويحظى بفرص عديدة لبناء القدرات سيكون أكثر تكيفا وقدرة على النجاح في نظام الجدارة من أقرانه الذين وجدوا أمامهم حواجز مالية واجتماعية تمنعهم من الحصول على أفضل نمط ممكن من التعليم ، وهذا يعني أن الفارق في الجدارة لم تصنعه الموهبة الشخصية بقدر ما صنعته الظروف الاقتصادية والاجتماعية الخاصة بكل عائلة وبكل شخص.
مصدر الخطر الآخر أنه قد يتم خلق طبقة من "الميريتوقراطية" في كل المجتمعات تقوم باحتكار الفرص والمناصب وحجبها عن الآخرين بحجة عدم الجدارة وهذا قد يؤدي إلى ظهور حالة من "الداروينية الاجتماعية" التي تستخدم القدرات والمهارات والكفاءة في عملية الإحتكار ، والبقاء للأقوى على حساب الطبقات غير القادرة على تجاوز الحواجز المعيقة والدخول إلى "جنة" طبقة الميريتوقراطية. مما يعني انكفاء الطبقات الأخرى إلى الروابط التقليدية مثل العشيرة والعائلة والدخول في صراع مع الطبقات المسيطرة قد يكون عنيفا في حال غياب فرص التعبير الديمقراطي أو يؤدي إلى تغيير عن طريق أدوات الانتخاب التي كما اسلفنا تعطي الفرصة الأكبر لأصحاب القدرة على اكتساب الشعبية لدى الناخب بغض النظر عن الكفاءة.
يعتبر بعض الباحثين في العلاقات الدولية أن هناك بعض الدول القائمة حاليا على مبدأ الجدارة وخاصة سنغافورة ، والدول الإسكندنافية كما أن بعض الابحاث تشير إلى ظهور طبقة ميريتوقراطية في الصين من أدوات إنتاج النخبة في الحزب الشيوعي نفسه ولكنها أكثر قربا إلى العولمة منها إلى النظم الإشتراكية التقليدية. أما في العالم العربي فهناك غياب تام لهذا النظام إلا في بعض الحالات النادرة التي يمكن وصفها بالتكنوقراطية التي أدارت مؤسسات ترتبط بالقطاعات التطبيقية مثل الصحة والطاقة والمياه ولكنها لم تكن جزءا من انتقال شمولي نحو نظام الجدارة.
يمكن تطبيق نظم الجدارة في بعض أنماط الحكم المؤسسية المحدودة في حال لم يكن من "الديمقراطية" تطبيقها في المجتمع بشكل عام ، وفي الحالة الأردنية يمكن اعتبار واحدة من أهم التجارب والامتحانات لنمط الجدارة هو في تعيين مجالس أمناء الجامعات المرتقبة حيث سنعرف فيما إذا كانت الجدارة هي العامل الأساسي أم المحاباة الاجتماعية.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة باتر محمد علي وردم جريدة الدستور