يقال دائما في علم الإصلاح والمعارضة إنه ليس مناسبا بل من الخطأ القاتل أن يستخدم الضعفاء سلاح الأقوياء. لكننا نشهد في الأردن وبلاد عربية أخرى الأقوياء يلجؤون إلى أسلوب الضعفاء. فالتظاهرات والاعتصامات والعرائض والإضرابات والاحتجاجات هي من أدوات الضعفاء في مواجهة الأقوياء، الشعوب والمجتمعات في مواجهة السلطات، والعمال في مواجهة الشركات. ولكننا نرى اليوم تظاهرات وعرائض وإعلانات صحافية وتجمعات لصالح الحكومات والمستثمرين والتجار، وضد من؟ ضد الناس الغلابى والمستضعفين، أو المطالبين بالإصلاح والعدالة، وهذا أسوأ ما يمكن أن تقع به المفاهيم والأفكار، ويصيب منظومة العمل والعلاقات بخلل كبير قد يكون الأقوى هو الخاسر الأكبر وليس الضعيف.
صحيح أنه يمكن إقناع نواب ومواطنين بنشر الإعلانات والتواقيع بل والاعتصام لأجل قضية ما أو سياسة حكومية أو مشروع تجاري أو حكومي، ولكنها حالات هي ابتداء في حالة من القوة والنفوذ الهائل، وتحتمي بقرارات قوية، وصلاحيات واسعة للسلطة التنفيذية وإمكانات مالية ودعائية كبيرة للشركات، وما يضيفه إليها الحشد الشعبي والجماهيري والإعلاني هو مزيد من الشعور بالقهر والظلم، ودفع الخصوم إلى زاوية ضيقة وحرجة، وتجريدهم من كل وسائل الدفاع والمواجهة، حتى تتحول إلى ما يشبه مباراة كرة قدم بين فريق قرية "سبيرا" ونادي برشلونة، لن تكون مباراة ممتعة ولن تكون نتيجتها مفرحة لبرشلونة وجمهوره.
والأسوأ من ذلك كله أنها تغير مفاهيم وتقاليد في العمل السياسي والاجتماعي استقرت منذ قيام الدولة الحديثة عن دور السلطة التنفيذية والشركات والعلاقة بينهما. فقد كانت الأزمات والعلاقات في مسار الدولة الحديثة تقوم على انحياز السلطة التنفيذية تنمويا واجتماعيا للشعوب والمجتمعات والفقراء، وتكون الأزمة والخلافات سياسية متصلة بالحريات والديمقراطية والمشاركة السياسية، ولكنها لم تكن أبدا خلافات اقتصادية وتنموية، بل العكس هو الصحيح، فالدولة الحديثة منذ نشأتها تقود التنمية وتنهض بالمجتمعات والتعليم والخدمات والمرافق، وليست طرفا في الخلاف على الموارد والأراضي والغابات والأسعار وعدالة التوزيع والفجوة الاقتصادية. وجرت العادة أيضا أن السلطة التنفيذية والشركات ورجال الأعمال على طرفي نقيض، وأن العلاقة بينهما لا تكون إلا سرية وفي الظلام، وتحت طائلة المحاكمة والدعاية السيئة والهجوم الإعلامي، ولكن أن يتحول القطاع الخاص (الغني جدا) إلى شريك وحليف للسلطة التنفيذية فهذا أكبر خلل يصيب الحياة العامة والاجتماعية، مشهد لا يقل بشاعة وغرابة عن عملاقين في المصارعة يجتمعان في مواجهة شخص ضعيف البنية.
ما يجري اليوم من مواجهة بين المجتمعات والسلطة التنفيذية وبين المجتمعات والسوبر رجال ونساء الأعمال ومن تحالف بين السلطة وبين تجار فاحشي الثراء والكثير منهم غرباء يولد حالة من الاحتقان والشعور الهائل بالظلم ويدفع إلى الانتقام المدمر، ومناقض للتاريخ والطبيعة، ومن هنا يجب أن يبدأ التفكيك.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد