منذ اندلعت الأحداث في تونس، وعليّ ابني البالغ من العمر سبع سنوات مشغول بفهمها ومحاكاتها، ويشغلني بأسئلة كثيرة جدا لا أستطيع الإجابة عن معظمها؛ "هو يا بابا شو رح يشتغل بن علي؟".. "طيب بصير يكون في بلد واحد أكثر من رئيس؟".. وعندما تأكد من عجزي وجهلي انسحب خائب الآمال، وصار ينظم وحده مسارح وألعابا مستمدة من مشاهد ميدان التحرير وغيره.. جمع كل الشخصيات والسيارات التي لديه، وأجبرني على شراء كميات إضافية كبيرة من الجنود والأشخاص و"السبايدرمانات" و"الباتمانات" والدبابات، وحوّل الصالون والممرات والغرفة المجاورة ومكتبي إلى مسرح للتظاهرات والمواجهات. وأدخل "سبايدرمان" إلى العمليات الجارية، "سبايدرمان" إصلاحي طبعا. ونقل إلى غرفته كميات كبيرة إضافية من الأطعمة والمواد الأساسية والأغطية لمواجهة النقص المحتمل في الإمداد والغذاء.
قبل عامين، عندما شغلنا وأشغلتنا الفضائيات بغزّة، أصيب باكتئاب وصمت طويل، ومرة قال لنا: عندي أمنيتان.. أن تنتهي الحروب من العالم، وأتخلص من الفأفأة.
عندما كنت في سنه كنا مشغولين بالحرب، كنت وأبناء عمي وأبناء المدرسة نسقط كل يوم ثلاثين طائرة إسرائيلية.. ولكن الطائرات الإسرائيلية أسقطت على قريتنا الوادعة المحصنة في الجبال والأودية قذائف مرعبة وهائلة، وهجرنا القرية إلى الأبد. تحولت قريتنا اليوم إلى خربة مهجورة، ولم يعد لي مكان أذهب إليه، لأن المكان الذي ولدت فيه وجميع إخواني وأخواتي أصبح مهجورا، والمدرسة التي تعلمنا فيها والساحات التي لعبنا فيها.. حتى المزرعة التي نملكها أصبحت شيئا غريبا بالنسبة لنا، عندما زرتها مؤخرا شعرت بوحشة قاسية.
الأماكن مثل الناس، تظل تحمل ذكرياتها إلى الأبد مثل بقايا جروح وإصابات وعاهات دائمة لا تزول، وسيظل جيلنا محكوما بتلك الطفولة ومتوالياتها، مثل حكم قضائي صادر عن محكمة التمييز! الهزيمة والفشل والخيبة واللجوء.. أنا لاجئ أيضا، لأني فقدت بيتي وقريتي، ومكان الولادة الذي تصر الأحوال المدنية على تثبيته بالنسبة لي "لم يعد موجودا"، والحكومات والمنظمات والأحزاب والتيارات والحركات التي ساقتنا بالوعود والآمال مضت هي الأخرى وأصابتها لعنة قريتي، وخلفت فينا ركاما هائلا من الغثيان لا يمضي أبدا، وجعلتنا لا نصلح لشيء.
هذا ما أدركه شباب وأطفال الإصلاح والتغيير، فالإصلاح الجاري والواعد اليوم لا يستهدف حكومات وأحزابا ومعارضات، ولكنه بحاجة للتخلص من جيل بكامله، وبكل منجزاته وكراكيبه، من المؤسسات المستقلة إلى الكتب والروايات والقصص والأشعار والمباني والحدائق.. والطاقة النووية أيضا.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد