مشهد مناقشة ملف الكازينو في مجلس النواب مشرّف للبلد والناس والمعارضة.. والحكومة أيضا. فالديمقراطية لعبة لها قواعدها التي لا نرضى عنها جميعها، ولكنها في النهاية المرجعية المنضبطة للعمل والمراجعة. ولكن يجب النظر إلى القضية الأساسية بأنها ليست الكازينو، ولا مراجعة أو إصلاح مسألة واحدة معزولة. فلا تستحق قضية مثل الكازينو وشاهين أن تشغل من المجتمع والإعلام والحكومة إلا بمقدار العمل على تجاوز مرحلة سابقة وإنشاء مرحلة جديدة. وما تفعله الحكومة ليس مراجعة لما سبق، ولا محاولة للدخول في مرحلة جديدة، وما تزال مصرة على أسلوب المتاهة والإلهاء والتلهي واللعب في الوقت الضائع.
ليس مهما اليوم إحالة قضية الكازينو إلى المحكمة، لأنه يفترض أننا سندخل في مرحلة سياسية جديدة ستجعل كل شيء (تقريبا) موضعا للتساؤل والجدوى والمراجعة. وإذا كانت النخب والطبقات السياسية والاقتصادية المسؤولة عن المرحلة السابقة تعتقد أن بإمكانها تلافي هذه المراجعة فإنها تناطح الصخر، وليس لها في الحقيقة إلا مخرج واحد.
المطلوب ببساطة ووضوح تشكيل حزب سياسي أو جبهة تتكون من جميع من تولى منصبا عاما قياديا (من الوزراء والفئة العليا والسفراء والمستشارين) ورجال الأعمال الذين شاركوا الحكومة أو حصلوا على عقود وامتيازات من الحكومة أو ساهموا في تعيين موظفيهم وزراء ومسؤولين وأن يتقدموا إلى الانتخابات النيابية المقبلة، وكل من فشل في هذه الانتخابات يجب أن يعتزل الحياة السياسية والعامة، ومن ينجح فإنه مؤهل للثقة وجدير بالدخول إلى حلبة المراجعة المقبلة (وليس البراءة الحتمية)، فليس معقولا أن يتولى شخص منصبا وزاريا أو قياديا ويعجز عن اكتساب عدد من الأصوات يؤهله للدخول إلى مجلس النواب.
والحكومة المقبلة يجب أن تتشكل من النواب أو يكون معظمها من النواب المنتخبين انتخابا عادلا. ويفترض في هذه الحكومة أن تراجع كل القرارات السياسية والعامة والإدارية السابقة والعقود والعطاءات، صغيرها وكبيرها، وتجري تسويات (خارج المحاكمة) لإصلاح ما يمكن إصلاحه، وترسل إلى القضاء ما يصعب تسويته.
والمجتمعات والأحزاب أيضا يجب أن تعيد تشكيل وتنظيم نفسها وفق أولوياتها ومصالحها الجديدة، وتفكر وتعمل وفق مرحلة جديدة منقطعة عن الماضي، وليست امتدادا له، وتفترض هي أيضا إن لم تكن مقتنعة أنها أخطأت وقصرت وأنها مسؤولة وشريكة في النتائج التي وصلنا إليها بمقدار مسؤولية الحكومة (الحكومة الطبقة وليست الحكومة المؤسسة)، وأن تشكل نفسها في عدد من الأحزاب أو جبهة قائمة على هذه الأولويات والاحتياجات، وتنشئ قاعدة اجتماعية واسعة وراء هذه المصالح.
فالصراع والتنافس هو صراع مصالح، ولن تعمل أبدا مجموعة مصالح ضد نفسها، وإذا توقعنا من أصحاب المصالح القائمة أن يصلحوا أو يغيروا المشكلات والأزمات فنحن واهمون، ولذلك فإنه لا يمكن تصور قيام مراجعة ومحاكمة للخلل والفساد إلا في حالة واحدة هي خروج القائمين عليها من موقع التأثير والقرار أو تحصين أنفسهم بانتخابات نيابية عادلة.
ببساطة ووضوح، فإن المطلوب ثورة سلمية ذاتية تؤدي من غير عنف ولا دماء إلى تغيير كل النخب والقيادات السياسية والاجتماعية أو تبرئتها.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد