التعديل الوزاري يبدو نجاحا سياسيا بعد عبور الرئيس بنجاح الاستجواب النيابي، ويؤشر على جو سياسي جديد ومعقول. فالاستجواب النيابي أنشأ، برغم كل شيء، ثقة سياسية معقولة، وأكد أن الأردنيين قادرون على محاسبة المسؤولين واستجوابهم، وأن زمن "اللحى الممشطة" انتهى وأن العين مفتوحة. ونحتاج بعد ذلك أن نتجاوز، وبسرعة، هذه الاستدراكات المتأخرة على الحياة السياسية، وندخل في "الجد" وألا تشغلنا التصورات السياسية للمرحلة المقبلة، على أهميتها وضرورتها، عن المباشرة وبأقصى سرعة في البرنامج الإصلاحي الذي حدده جلالة الملك في خطابه، والذي يشكل إجماعا وطنيا للحكومة والمعارضة والمجتمعات.
نتمنى على حكومتنا الرشيدة اليوم قبل غد أن تبدأ فورا بالالتفات إلى التعليم والصحة، وتخرجهما من التراجع والترهل، وتعيدهما كما كانا في فترة من الزمن نتذكرها. وعندما نرى اليوم توسعا متواصلا في المدارس والمستشفيات الخاصة نصاب بحسرة كبيرة، بل ورعب، فالقطاع الخاص في غياب كفاءة القطاع العام يتحول أيضا إلى الترهل، ولم تعد تلاحظ فرقا وأنت في مستشفى خاص تدفع له مبالغ خيالية بين ما تتعرض له من إهمال ومعاملة سيئة و"دهلزة" وبين المستشفيات الحكومية، ولم تعد تلاحظ وأنت ترسل أبناءك إلى مدرسة خاصة تقدم لها مبالغ خيالية و"دم قلبك" فرقا عن المدارس الحكومية؛ إهمال وضياع وتسيب، وتعليم غير جاد، بل تكاد تكون بلا تعليم. والفرق واضح وكبير بين أداء ومستوى المدارس والمستشفيات الخاصة اليوم وما كانت عليه هي نفسها قبل سنوات قليلة، والسبب بتقديري واضح وبسيط، هو ضعف، إضعاف وغياب، وتغييب القطاع العام في المجال نفسه. ولا بأس من تكرار القول إن الحكومة قادرة على حسم ثلاثة أرباع المعركة سياسيا واجتماعيا ولصالحها إذا أنعشت فورا التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، وأنشأت تحالفا واسعا مع المعلمين وأطباء القطاع العام. وسوف تحقق خلال أشهر قليلة لا تتجاوز الثلاثة صحوة ونهضة يمكن أن يلمسها المواطن مباشرة وتنعكس على حياته.
ما نريده ونتطلع إليه ببساطة ليس تقديم معونات نقدية ولا إدارية للمواطنين والمجتمعات، فهذا يفوق قدرة بلد نفطي في زمن غلاء النفط، ولكن ما يحتاج إليه المواطن أساسا أن يجد ضمانا تعليميا وصحيا واجتماعيا، وبعد ذلك فهو مسؤول وشريك أساسي فيما تبقى من احتياجات وأولويات. وببساطة ووضوح فإنه من الفساد والفساد الكبير أن ننفق من الموارد العامة على مجالات أقل أهمية من أخرى، وأن تقدم منح ومعونات للمواطنين والمجتمعات على حساب التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، ولعلها سياسات لا تختلف عن الرشوة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد