هذه المقالة كتبت أمس، وتنشر اليوم، وربما تكون حدثت في أثناء ذلك تطورات مهمة حول الاعتصام المفتوح الذي أعلن عنه. ويبدو لي أن الحراك الإصلاحي يدفع بعيدا عن أهدافه وحدوده وإمكانياته، وأن ثمة غرورا مبالغا به، وافتعالا وأوهاما تحرك فئة من الناس تجعلها "تطفو على شبر ماء"، وتعتقد أنها تصنع الوعي وتحرك الجماهير وتخلق المستحيل.. وتحلق في السماء. وثمة حالات مرضية تحتاج إلى تدخل علاجي طبي لأشخاص يعتقدون أنهم يوقعون عن رب العالمين، وأنهم أوصياء على الناس! والغريب أنها وصاية جاءت بالانتساب إلى جامعات الأنظمة السياسية (الجاهلية!)، وأشخاص يعتقدون أن الأردنيين قبلهم لم يكونوا يفقهون شيئا، ولكن ويا لشديد الأسف فإن هؤلاء "النرجسيين" يمضون بنا نحو المغامرة والمجهول.
موجة الإصلاح التي هبطت على العالم العربي ليست مبادرة أنشأتها جماعة، ولا شرارة أشعلها شاب حرق نفسه، ولكنها سلسلة متراكمة ومعقدة من الأعمال والتحولات والفرص التي وجدت في تقنيات الإعلام والاتصال ميدانا للتعبير عن نفسها وللتحرك والنضال لأجل أهداف ورؤى وأفكار لم تتوقف يوما.. وليست اكتشافات جديدة وجدها الشباب المعتصمون والحركات السياسية والاجتماعية، التقليدية والجديدة، الواقعية والافتراضية، وما يحدث من حراك ليس إلا تعبيرا عن فكرة جاء وقتها، لم تجلّها أو تطورها الاعتصامات والتجمعات.
وهناك خيارات عدة للعمل من غير عنف أو تظاهرات واعتصامات، ويمكن للحكومات والمجتمعات اليوم، وبخاصة عند النظر إلى مستوى الرضا السياسي والاجتماعي، أن تدير تسويات وصراعات سلمية تؤول في النهاية إلى إصلاح سياسي واجتماعي وتغييرات مهمة وكبرى، وربما يكون هذا مصدر التيه والأزمة في الحراك الإصلاحي الأردني القائم اليوم! هل يمكن تجنب المسارات الجماهيرية والتجارب الأخرى جميعها وأن نحقق الإصلاح المنشود في الوقت نفسه؟ هل نحتاج إلى نموذج مختلف في المسار الإصلاحي؟ الحركات الشبابية والمعارضة (التي تدعو إلى الإصلاح أيضا) لا ترى أفقاً للعمل سوى الخروج إلى الشارع، ولما كانت قواعدها الاجتماعية غير مستعدة للتظاهر والاعتصام بأعداد كبيرة، ولا تملك هدفاً واحداً يجمعها ويحركها للخروج، فإنها تبدو في حالة ارتباك وإحباط وشعور بالفشل، وكأن النجاح لا يكون إلا في تكرار النموذج المصري والتونسي. والحكومة أيضا لا ترى مساراً محتملاً سوى الرد والمواجهة، وحشد وتعبئة قواعدها الاجتماعية وأجهزتها الأمنية والتنفيذية.. ولكنها تبدو معركة يتساوى في مرارة وعقم نتائجها النصر والهزيمة! ومحاولة إضفاء طابع إسلامي وإقحام الفتاوى في الحراك القائم يحرك الفتن، ويلبس على الناس دينهم ودنياهم، لأن المسألة ابتداء خلاف سياسي بين فئة من المواطنين والحكومة، وليست اتهاما في الدين والنوايا لأحد.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد