تتعالى اصوات الشكوى ، من قبل بعض المستثمرين أنفسهم أو من خلال مقالات وأخبار اعلامية حول "التعطيل" والعوائق التي تتم ضد الاستثمار في الأردن ، والشكاوى الأخيرة تركزت على عدم موافقة أمانة عمان على الترخيص لاستثمارات عقارية ذات طبيعة غير متناسبة مع المخطط الشمولي لعمان ، وأن هذا التعطيل يتناقض مع سياسات تشجيع الاستثمار.

اذا كان هذا الكلام صحيحا ، فمرحى لأمانة عمان التي بدأت تنتبه الى ضرورة تقييد وتنظيم هذه المشاريع. في البداية أتمنى أن يقنعني أحد المحللين الاقتصاديين بأن قيام مجموعة من الأغنياء بالاقتراض من بنوك محلية من أجل بناء مجمعات سكنية وعقارية عالية الارتفاع في مناطق ذات نمط سكني مضغوط يعتبر استثمارا في التعريف الاقتصادي. هذا الضغط الاضافي على موارد المياه والطاقة (في غياب وجود كودات مفعلة لترشيد استهلاك الموارد) والتسبب في أزمات سير وضغط على البنية التحتية للصرف الصحي ليس في مصلحة أحد الا الساعين الى تحقيق المكاسب المالية من بناء المشاريع العقارية وبيعها.

لدينا في عمان أمثلة على قرارات خاطئة ، او كان هناك نظام حقيقي للمساءلة لما تم السماح لأصحاب هذه القرارات بالتهرب من مسؤولية أخطائهم.

ليست عمان فقط هي الساحة الوحيدة المطلوب تنظيمها في الاستثمار وليست كل المعيقات أمام الاستثمار سلبية ، ومن الضروري التمييز ما بين نوعين من "العقبات" أمام الاستثمار أن جاز التعبير. النوع الأول هو البيروقراطية والتعطيل وضيق الأفق لدى بعض المسؤولين والموظفين ومحاولات الحصول على السمسرة والتي عادة ما تساهم في تهريب الكثير من المستثمرين من خيارات الاستثمار في الأردن وهي عوائق ينبغي محاربتها بل ومعاقبة المسؤول عن وضعها في وجه المستثمرين. أما النوع الثاني من الأدوات التنظيمية فهي الضوابط المتعلقة بحقوق المواطن في نوعية حياة كريمة وبيئة نظيفة وصحة عالية والتي يجب أن تكون عنصرا أساسيا في تقييم اي استثمار قبل الموافقة عليه.

ان تقديم طلب للحصول على ترخيص لاقامة مصنع يساهم في تشغيل 100 شخص هو نوع مبارك من الاستثمار ، ولكن عندما يكون موقع المصنع المقترح قريبا من التجمعات السكانية الموجودة مسبقا ومن بيوت المواطنين وسبل معيشتهم وتنقلهم فان العديد من العوامل يجب التعامل معها بجدية. خيارات التوظيف في المصنع تساعد الاقتصاد الوطني ولكن هذا لا يعني أن المواطن القاطن في المنطقة مضطر لتنشق هواء ملوث والتعرض لضجيج متواصل والأولوية تأتي لصحة المواطن ويمكن للمصنع أن يبنى في منطقة أخرى بعيدة عن السكان.

الحكومة موجودة من أجل خدمة الصالح العام ومن أجل التنظيم. ان مثل هذه الاستثمارات التي تجلب الضرر والمفاسد أكثر من المنافع ليست حتمية ومن واجب الحكومة تفعيل كافة أدوات التنظيم والضبط التي تحمي المصلحة العامة وهذا ما يتم في كافة الدول المتقدمة التي تستقطب أفضل الاستثمارات الانتاجية والمعرفية. من يُرًد أن يحقق ثراء سريعا على حساب المصلحة العامة بحجة الاستثمار فليبحث عن مكان آخر ، ومن المهم تقديم الدعم لكافة السياسات التي تحقق التوازن ما بين الاستثمار وحقوق الانسان وتضع الأبعاد الاجتماعية والبيئية في الصدارة ومن لا يحترم هذا فليطفش غير مأسوف عليه،.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  باتر محمد علي وردم   جريدة الدستور