إنها ليست مجرد ثورة لتغيير حاكم أو نظام سياسي، ولكنها تحولات اجتماعية وثقافية، تطاول كل شيء، وكل بلد؛ الحكم والسياسة، والنخب، والعلاقات الدولية، والخريطة الإقليمية والعالمية.. فكل شيء يتغير. إيران وإسرائيل ليستا بعيدتين جدا، سواء في الزمان أو المكان، وليس ثمة بلد أو نظام سياسي بعيد عما يجري من تحولات كبرى.
فإيران ستنسحب شرقا من سورية ولبنان والعراق وفلسطين والخليج، ثم تنسحب غربا وجنوبا من أفغانستان وآسيا الوسطى، ثم تنشغل بنفسها؛ صراعات إثنية، عرب وأذر وكرد وبلوش، ومحافظون وإصلاحيون، وعلمانيون ودينيون.. ستعود علمانية حليفة للولايات المتحدة والغرب. وإسرائيل ستعيد تشكيل نفسها، صديقة للبيئة وأكثر عدالة اجتماعية داخليا وأكثر ودية خارجيا، وربما تتحول إلى دولة عربية. وبالمناسبة، فإن نسبة العرب في إسرائيل تزيد على 75 %، أي إن نسبة العرب فيها أكثر من العراق والسودان والجزائر والمغرب، ولم يعد لها لازمة كقاعدة عسكرية تواجه العرب وتهددهم، فقد أصبحوا أقرب إلى الغرب منها، والغرب المحتاج إلى النفط والأسواق العربية، ليس في حاجة لينفق بلا مبرر على إسرائيل، ولكنه يمكن أن يساعدها في الاندماج في المنطقة العربية.
والعراق لن يبقى كما هو بعد الانسحاب الإيراني؛ سيدفع حلفاؤها الثمن، وستتغير التحالفات، وستكون غالبا سنية (كرد وعرب سنة) في مواجهة أتباع إيران وحلفائها السابقين. ولبنان سيعيد ترتيب نفسه في مرحلة ما بعد سورية، سيتحول حزب الله إلى حزب سياسي بلا هيمنة تفوق تمثيله الشيعي والذي لن يستمر في احتكاره بعد الانسحاب السوري والإيراني من لبنان.
وربما نرى منطقة عربية آسيوية (الشرق العربي) تنشئ أسواقا وعلاقات اقتصادية وبنى ومرافق مشتركة بمشاركة تركيا. ففي مرحلة من التحرر، ستفكر الشعوب والمجتمعات في مصالحها وأولوياتها، وستجدها على الأغلب في سوق كبيرة تعود على جميع الدول والمجتمعات بالفائدة والتنمية، كما في النموذج الأوروبي.
هي سيناريوهات واحتمالات على أي حال يرجحها ويشجع على أخذها بالاعتبار أن التفكير للمستقبل سيعتمد على فكرتين (أقرب إلى حقيقتين): ولاية الشعوب وسيادتها، ونشوء نخب وقيادات جديدة. والشعوب والمجتمعات تتشكل حول مصالحها وتطلعاتها، وهي تدفع باتجاه سوق كبرى وعلاقات سياسية واقتصادية واجتماعية مشتركة، ونخب جديدة تستمد مصالحها ووجودها من علاقتها بالشعب ومن الأسواق والفرص الجديدة والناشئة. فعندما تنتهي الأنظمة الشمولية ينتهي معها بطبيعة الحال الاقتصاد الظالم الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء، ويعطي من يشاء ويحرم من يشاء؛ وحين يتنافس الناس بعدالة فسوف تنشأ أسواق جديدة.. وأنظمة سياسية واجتماعية وثقافية جديدة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد