قرار الحكومة بإغلاق ملف محاولات شراء قناة أي تي في يعني خطوة أخرى مؤلمة نحو المجهول بالنسبة لمئات الموظفين الذين قضوا عدة أشهر في مهب الريح بدون أية ضمانات مهنية ومن ثم تعرضوا لخيار الاستقالة أو الإجازة بدون راتب اي انقطاع سبل معيشتهم نتيجة عدم قدرة القناة على الانطلاق وتراكم الديون.
من ناحية مبادئ استقلالية وحرية الإعلام فإن قرار الحكومة بالتوقف عن محاولة شراء القناة يعتبر أمرا جيدا لأنه أزاح الخطر من إلغاء استقلالية القناة وتحويلها إلى مجرد بنية تحتية إضافية لنمط بث إعلامي لا يقدم المزيد من القيمة المضافة للإعلام الأردني ولكنه طبعا ساهم في زيادة ضبابية مستقبل الموظفين ولم يكن إيجابيا في معايير حقوق العمل والأمن الوظيفي.
منذ اليوم الأول كانت مشكلة القناة الاساسية هي قرار هيئة تنظيم المرئي والمسموع عدم منح القناة الترخيص بالبث تحت مبررات إدارية وبيروقراطية مختلفة منها عدم وصول بيانات الترخيص والمعلومات المطلوبة في الوقت المناسب علما بأن المسافة ما بين مقر الهيئة ومقر القناة يمكن أن يقطعه اي شخص بصحة جيدة في ربع ساعة سيرا على الأقدام. ولكن المسافة الطويلة هي ما بين الخطاب النظري حول استقلالية الإعلام في الأردن وما بين القدرة على اتخاذ قرار بالسماح بالبث الإخباري التلفزيوني المستقل.
مصير القناة وبنيتها التحتية فائقة الجودة ومئات الموظفين المهنيين الذين يتمتعون برأسمال مهني وإنساني عالي جدا بقي متأرجحا في عمليات بيع وشراء عجيبة ، جعلت القناة أسيرة الأوراق التجارية والإدارية بدلا من أن تحقق إضافة نوعية في الإعلام الأردني المرئي كما كان مأمولا منها. هذا الوضع لم يؤد فقط إلى استنزاف مالي ونفسي وإداري للقناة والعاملين فيها وهم يقومون بإجراء مئات من البرامج التجريبية والجهود التي بقيت أسيرة الحواجز الإدارية ولم تنطلق. هذه خسارة كبيرة ليس للقناة فقط والعاملين فيها بل لكافة قطاعات الإعلام الأردني وفرص الاستثمار المستقل في قطاع الإعلام ، فمن ذا الذي سيجرؤ بعد اليوم على خوض مغامرة استثمار بمئات الملايين في قطاع الإعلام إذا كانت ورقة رسمية واحدة ستقف حائلا بين التجهيز والبث ، بالرغم من أن الحكومة تمتلك %13 حاليا من القناة.
الحل الوحيد لمعاناة الموظفين والطاقة الكامنة الكبيرة لهذه القناة هو السماح لها بالبث المستقل ، بغض النظر عن هوية المستثمر فهذا شأن لا يعنينا. في حال تمكنت القناة من البث بجودة عالية سوف تقدم منتجا إعلاميا قابلا للتسويق والاستثمار وسوف يتمتع العاملون فيها بمهن حقيقية يبرزون فيها طاقاتهم وتصبح مشروعا قابلا للحياة ، وبدون السماح لها بالبث ستكون القناة مثالا مؤسفا على الخطورة الفائقة للاستثمار في قطاع الإعلام المستقل.
القرار المطلوب الآن هو إزالة مصدر الخطر الاستثماري وهو رفض الحكومة للقناة بالبث. من المهم أن تساهم الحكومة في مساعدة القناة على تسهيل كل إجراءات الترخيص المطلوبة والانطلاق السريع نحو البث لمعالجة الديون المترتبة على القناة وتحويلها من عبء مالي كبير إلى فرصة حقيقية لانطلاق إعلام تلفزيوني محترف ومهني وقابل للتنافس على المستوى الإقليمي ويضع الأردن في الموقع الذي يستحقه في خارطة الإعلام المرئي العربي. بدون السماح بالبث ، لا يوجد حل.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة باتر محمد علي وردم جريدة الدستور