المدن تقوم على القانون والعدل، واسم المدينة مستمد من الكلمة الآرامية "الدين" ويعني العدل. وفي العربية أيضا الدين يعني العدل، فيوم الدين هو يوم العدل. وهي صفة منطقية وحتمية، فما يحمي الناس والمصالح والعلاقات في المدن هو القانون، وفي اللحظة التي لا يعود القانون مطبقا في المدن تتحول إلى قرى عملاقة فوضوية. ربما يكون في القرى محتملا أن تنتهك قوانين تنظيم المدن، وقد يستطيع الناس هناك بعلاقاتهم الاجتماعية ومعرفتهم ببعض تدبير كثير من المسائل المعيشية وإدارة حياتهم ومعاشهم بدون تطبيق قوانين المدن وأنظمتها.. ولكن المدن لا تحتمل شيئا من ذلك؛ فيستطيع الناس احتمال إغلاق شارع في بلدة ما لأجل عرس أو عزاء، وحتى ركن سيارة أمام الإشارة الضوئية (من المألوف أن تقف سيارات وقوفا نهائيا أمام إشارة ضوئية لمدة طويلة من الزمن)، ولكن حدوث مثل ذلك في عمان يعد كارثة.
يستطيع المواطن في مشاهداته اليومية أن يلاحظ عشرات الانتهاكات التي تصيبه بالصدمة في عمان، ويكاد يعتقد أن ثمة غيابا كبيرا أو تواطؤا كبيرا على هذه الانتهاكات غير الملائمة لبلدة صغيرة، فضلا عن مدينة كبيرة وعاصمة مثل عمان.
شبكات الصرف الصحي التي أنفق عليها مئات الملايين تتحول في مشهد صار مألوفا إلى قنوات تتدفق في الشوارع بين السيارات والناس. ولكن في شارع وهب الخير بضاحية الرشيد تتدفق مياه الصرف الصحي من عمارة رقم... لساعات طويلة وبانتظام بين فترة وأخرى لتسير في الشارع حوالي ثلاثين مترا، ثم تتدفق في أنبوب صرف بلاستيكي مهترئ من الواضح أنه غير قانوني يسير بين العمارات لمسافة خمسين مترا، من خلال عمارة هيئة تنظيم قطاع النقل ليصب في شارع همدان بالضاحية.. هكذا في وسط الشارع، والسيارات تنثر المياه القذرة على المارة وفي كل اتجاه!
وفي شوارع أخرى كثيرة يلحق الناس الأرصفة ببيوتهم ويغلقونها بسلاسل، وينظرون شزرا إلى المارّة يريدون أن يمنعوهم من السير على الرصيف. ولكن وفي شارع متفرع من شارع الكرامة في أبونصير ثمة بيت يزحف على الشارع ويلحقه به، ويبنى فوقه معرش عنب ويجلس صاحب البيت وعائلته تحت المعرش، وينظر إلى المارة كمن ينتهكون بيته. ويوقف الناس سياراتهم على الأرصفة، وكأن المشاة لا حق لهم بالمدينة وأرصفتها، ويسد مواطنون الشوارع ليقيموا صيوانا للعزاء أو الأفراح. وصار قطع الإشارة الحمراء في عمان مألوفا ومتقبلا، بل يصيبك رعب وأنت تقطع الشارع برغم إشارتك الخضراء، فيحدث كثيرا أن تفاجأ بسيارة قادمة مسرعة، وتحتاج للقتال والنضال لتنتزع حقك في المرور برغم إشارتك الخضراء، لأن السيارات تواصل زحفها وانتهاكها للإشارة الضوئية الحمراء، ولسان حال الناس "بلّط البحر".. هل يعقل أن يحدث هذا في عاصمة دولة ذات قانون ومؤسسات؟
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد