هداء: إلى يحيى النابلسي، الرجل الذي يحب النجوم.)
 
نهض من النوم. اجال نظره في غرفته الصغيرة المظلمة. اشعل الضوء. ادار زر الراديو ليعرف الساعة بالضبط. السابعة والربع صباحاً. بحث عن ساعته. كانت متأخرة عن الوقت. صحَّحها. وضعها في معصمه. سمعها وهي تتكتك. ذهب إلى الحمام. سمع احدهم يقول له، "لماذا لا تصبِّح؟ الصباح لله يا سيد كريم!" ابتسم في وجه اخته أماني ابتسامة متعبة. حاول أن يقبِّلها على جبينها، لكنَّها لم تسمح له وهي غاضبة، "لماذا لا تصبِّح؟"
جلس على الكرسي الافرنجي وبال. منذ شهور طويلة اعتاد أن يجلس على كرسي الحمام حين يبول. هكذا لن يرى بوله الغريب. وهو كلَّما يراه تصيبه قشعريرة غريبة تغرس في روحه خوراً معمِّراً. فكَّر مراراً بأنْ يستشير صديقه الطبيب، د. خالد، الذي يلعب معه الورق كلَّ يوم في مقهى منسي في شارع صلاح الدين، لكنَّه كثيراً ما شعر بأنَّ كلُّ ما سيقوله له الدكتور خالد هو ما يقوله دائماً كوصفة لعلاج كل مرض وكل وعكة وكل شعور بالاحباط يشعر به كريم، "كريم، أنتَ تحتاج إلى امرأة تؤنسك!"
-" لم اجد المرأة التي ابحثُ عنها!"
-" أيةُ امرأة بوسعها أن تحبُّك!"
-" لا أريد اسفنجة تمتص عرقي ووسخ جسدي آخر الليل!"
-" إذن، ماذا تريد؟"
-" اللعنة، اريدك أن تصمت، وتدعني وشأني!"
-" كريم، كلُّنا نحلم، هذا طبيعي، ولكن أنت مثالي جداً، وحالم جداً، هنا!" قال د. خالد وهو يطرق على رأس صديقه كريم منصور، "توجد احلام كثيرة لا يتَّسع لها هذا العالم الكبير!"
-" خالد، دعني وشأني، ارجوك!"
-" كريم، أنت في الحادية والثلاثين من عمرك، ألا تريد أن ترتاح وترسي مرساتك على شاطئ امرأة تحبك؟"
-" أريد أمرأة تحتلُّني، تحتلُّ وعيي وجسدي، تأتي عاصفة تقتلع جذوري، تنفض عني كلَّ اوراقي واغصاني، تعرِّيني من كلِّ ادعاءاتي وزيفي، تذيب نسغي، ترحل بي إلى مكان آخر، إلى زمن آخر، إلى نَفْسٍ أخرى تلبسني، وجسد آخر البسه، أريد امرأة مستحيلاً، أريد امرأة أفقاً، أريد امرأة مطلقاً، أريد أن اكون إلهاً!"
-" كريم، ساعتك متأخِّرة!"
     من المؤكد انَّه سيحدث الحوار ذاته إذا ما اعلمه عن بوله. وماذا عساه يقول للمرأة التي سيتزوج منها؟ هل يقول لها انَّه يبول بولاً غريباً لا مثيل له؟ كم أراد أن يأخذ عينة من بوله ليفحصها في المختبر. أترى، سيرتاح حين يجيء في التقرير المختبري أنَّه من فصيلة بشرية أخرى أو أنه تمَّ اكتشاف حالة مرضية جديدة. سمع امَّه وهي تقول، "نسيتَ نفسك في الحمام ام ماذا؟"
     شمَّ رائحة بوله الطيِّبة. حين فرغ، حاول أن يغلق غطاء كرسي الحمام ويضغط "السيفون" باسرع ما يمكن، لكنَّ الغطاء انخبط بقوة وارتدَّ واقفاً، فرأى بوله. لم يكن بولاً، وإِنَّما مادة زهرية لزجة معطَّرة كانت تعجُّ فيها مخلوقات لطيفة صغيرة بحجم حبَّة الأرز: اطفال عراة من البنات والاولاد، وفراشات ملونة، وازهار خلابة وملائكة ضاحكة ونجوم متلألئة.
     اصبح وجهه عضلة مشدودة واحدة. شعر برغبة ملحة في البـكاء. اغلق غطاء الحمام وضغط "السيفون." احسَّ بأنَّه مرتاح حين سمع رعشة الماء تشطف كلَّ شيء. جلس إلى كرسي الحمام دقائق وهو يلهث. ماذا لو يرى احدهم بوله؟ وقف. تمنَّى أن يلقي نظرة في كرسي الحمام، رفع الغطاء، وحالاً وجد يده تضغط على السيفون. لقد رأى ملاكاً وفراشةً يعومان في مياه زهريه خفيفة. ضغط "السيفون" مرة أخرى بعد برهة.
     بصعوبة وقف امام المغسلة. غسل وجهه. مخط. كعكش بسبَّابته في منخاريه، نفَّ، مسح وجهه بالبشكير. وإذْ به يرى في البشكير طفلاً عارياً لزجاً بحجم حبة العدس، فاوقعه في المغسلة، فتح الحنفية، ولم يسترح حتى رأى الماء يجرف الطفل العجيب في انبوبة المجاري. وغسل البشكير تحت الحنفية وتأكَّد من خلوه من المخلوقات اللطيفة الغريبة. من أين أتى ذاك المخلوق الطفل؟! نظر إلى ساعته. الساعة السابعة والدقيقة السادسة عشرة صباحاً. "الساعة اللعينة، إِنَّها تؤخِّر دائماً."
     حين خرج من الحمام، شعر بأخته تسنده. سمع الساعة تتكتك. نظرت أخته إلى عينيه برعب. لم يستطع أن ينظر اليها. شعر بأنه عارٍ امامها. اغمض عينيه. سألته وهي تتحسَّس معصمه، "تبدو اصفر، ما بِكَ؟ نبضك سريع. سآتي بجهاز ضغط الدم لأفحصك." لم يقُل شيئاً، اجلسته على الاريكة في الصالة، وذهبت لتحضر الجهاز. فحصته. "نبضك سريع جداً. ضغط دمك منخفض. ساعدُّ لك محلول الماء والملح، لا تقلق." ثم رافقته إلى غرفته، حتى تهاوى على سريره، وقالت له، "كل هذا لأنَّك لم تصبِّح! تستاهلْ!"
     تهاوى على سريره كلفظة حوشية لم يعُد احدٌ يتفوَّه بها. كان السرير شاحباً يثير التعب في جوانحه. للمرَّة المليون احتلَّه فراغ جدران غرفته الصغيرة، بلا لوحات، بلا صور، بلا تحف، ولا حتى مسامير تؤنس وحدته. لم تحاوره الغرفة الصغيرة التي يعيش فيها. كم أراد أن يتَّهمها بالعجز لأنَّها لم تستطع أن تحتفظ بجاذبيَّتها. كم أراد أن يطرشها ببصاقه ليهينها! ضمَّ ساعديه إلى صدره، اغمض عينيه.
     دخلت أمُّه وهي تحمل فنجان القهوة، قهوة بلا رائحة، بلا سفر إلى مجاهل الكيف واللذة. سألته فيما إذا كان يعاني من وعكة ما. ماذا يقول لها؟ طمأنها أنَّ كلَّ شيء على ما يُرام، وتركته. غبَّ القهوة دفعة واحدة. تساقطت الطراشة على رأسه بفعل الرطوبة. في الماضي كثيراً ما احبَّ امعان النظر في الاشكال الغريبة التي كان يراها في طراشة الغرفة، رؤوس بشرية وحيوانات وعوالم غريبة كانت تحلِّق به إلى جوانب مظلمة من روحه التعبى، لكنَّها الآن جدران بلا ملامح.
     جلبت له أخته الممرضة محلول الماء والملح. جلست قربه. شربه. سمعها تضحك على ساعته، "ساعتك مؤخِّرة. لماذا لا ترميها، لا تنسَ أن تحطِّمها قبل أن ترميها، ها؟ ساجلب لك ساعة جديدة هدية مني!" وخرجت. خلع الساعة، رماها على الارض بقوة، وأخذ ينظر اليها بشماتة فائرة. انتعل حذاءه وهو يطمرها بنظرات الاحتقار. وكاد يهشِّمها تحت كعبه، لكنَّه لم يستطع أن يخدشها. شعر بأنَّها تحادثه وهي مجعية كالجثة بصمت وهدوء. فالتقط الساعة عن الأرض. امعن النظر فيها. مسح قطرة ماء كانت عليها. كان يعرف انها مقاومة للماء. فما علَّتها، يا ترى؟
     لا يذكر متى اشتراها وارتداها اول مرة. ربَّما تحتاج إلى بطارية. لكنَّه كثيراً ما أخذها إلى اكثر من ساعاتي، وقيل له دوماً إنَّ ساعته لا يوجد فيها بطارية، بل تعمل على النبض. احبَّ أن يسمع تكتكتها. وحين قرَّبها من أذنه، فجأةً خطرت له فكرةٌ غريبة لا يعرف كيف آمن بها، هكذا ببساطة. فقد احسَّ بأنَّه لا توجد علَّةٌ في الساعة أبداً وإِنَّما العلة فيه هو نفسه. فقد شعر بأنَّ من المؤكَّد بل لا بُـدَّ انَّه احياناً يتلاشى عن الوجود أو يكون في عالم آخر لا يعرف اين يكون فيه رغم انَّه يكون مع الآخرين يحاكيهم ويلعب معهم ويأكل معهم ويشاجرهم ويتعرَّض للاهانات، لكنَّه في الوقت ذاته يعيش لحظات وربما ساعات اكثر مما يعيشون، أيّ انه يعيش اكثر من اربع وعشرين ساعة في اليوم الواحد. لكن اين يكون فعلاً؟ اين حدود ذلك المكان الغريب الذي يتلاشى فيه؟ كلُّ ما أدركه عندئذ هو أنَّ ساعته تؤخِّر. أي أن ضغط دمه يكون منخفضاً آنئذ، ونبضه سريعاً جداً بحيث تتعطَّل ساعتة وتؤخِّر.
     شعر بضعف اشدُّ بأساً حين أكتشف تلك الحقيقة. قهقه حتى شعر بأنَّ وجهه اصبح عضلة مشدودة واحدة مرة أخرى، فدفن وجهه في راحتيه، واتكأ بكوعيه على ركبتيه. اقشعرَّ بدنه. اين تراه يكون؟ اللعنة اين يكون؟ وما ذلك السائل الزهري والمخلوقات اللطيفة التي ينزفها منذ شهور طويلة؟ ومن هو؟ من هو؟ إِنَّه مختلف، هذا هو كلُّ ما في الأمر. امعن النظر في الساعة، صحَّحها، ارجعها إلى معصمه ثانيةً. نظر إلى جدران غرفته العارية من كل شيء، ثم وجد نفسه يغادر البيت.
     مشى في الشوارع بين الناس. حيَّاه بعض الناس، وحيَّا بعضهم. التحية هي ذاتها. كلمة سرٍّ مملة، مستهلكة، كالحة. ضحك حين تصور الناس يؤدُّون كلَّ يوم تحيات مبتكرة، كأنْ يبادروا بالتحية قائلين، "هيلا هوب! هيلا هوب!!" فيردُّ الآخرون قائلين، "شيكا بيكا! شيكا بيكا!!" أو يشلع المرء أذنه امام الآخرين، أو ينزل سحاب سرواله ويرفعه، مثلاً. نظر اليه البعض باستهجان وخشية وهو يقهقه ويلطم كفَّاً بكف.
     عند باب العمود صعد إلى السيارة المتَّجهة إلى بيت حنينا، حيث يقع عمله في الصحيفة. احـسَّ بعينيه تدمـعان بلا سبب. لم يشعر بوخزة في عينه إثر دخول شيء ما فيها، مثلاً. ربَّما كان مجرد رمش كبير؟ اقترب من المرآة. لم يرَ شيئاً. دنا اكثر، وسَّع جفنيه، حدَّق، فإِذا به يقشعرُّ بدنه. لم يرعبه أنَّه رأى داخل حدقتي عينيه عالماً رحيباً تعيش فيه مخلوقات لطيفة لانهائية من الاطفال العراة والاسماك والازهار والطيور والفراشات والملائكة والنجوم، بل ارعبه أنَّه حين رأى ذلك العالم المسحور توقَّفت حركة المخلوقات اللطيفة ونظروا اليه جميعاً كأنَّهم أدركوا انَّ ثمة كائناً غريباً يراقبهم بفضول وحشي. وحالاً ابعد عينيه عن المرآة، ووجد نفسه ينزل من السيارة، ويبحث عن ساعاتي ليشتري نظارة سوداء. كلا، لن يسمح لأحد بان ينظر إلى عينيه. لن يسمح لأحد أبداً. لكنَّه لم يعثر على نظارة ذات عدسات سوداء ولا قاتمة. ومع ذلك، لن يسمح لأحد بأن يدنو منه أبداً، أبداً.
     في اللحظة التي سمع ساعته تُتكتك رأى امامه زميله في قسم المحاسبة والى جانبه فتاة. قال له زميله، "رنا، موظفة الاستقبال الجديدة! كريم منصور، مترجم!" سمعها تقول بصوتها الرقيق، "تشرَّفنا!" ومدَّت يدها وتصافحا. احسَّ يده تذوب في راحتها الطرية العارقة. بذل جهده لئلا يرفع عينيه وينظر اليها. ثمة عاصفة فظيعة تلولبت في أرجاء الغرفة فتطايرت الاوراق وارتطمت الكراسي بالخزانات وحافظات الملفات.
     اطارت العاصفة جاكيته الشتوي وبقي معلَّقا به من الكتفين فبدا طائراً يخفق بجناحيه. قوَّس رأسه للأسفل. حاولت العاصفة أن تفتح جفنيه على مصراعيهما، صرخ، "كلا! لن افتح عيني لأحد. لن ادع احداً ينظر في عيني!" وجد نفسه يحني ظهره كي يقي نفسه من الاقتلاع، يكحُّ، يضربُ الطاولة بقبضتيه. ترنَّح ووقع على كرسيه. ثمَّ رأى نجمةً تسقط من عينيه كالمذنب، وما كادت تهبط على الارض، حتى تحولت إلى فتاة قالت له، "أنا رنا، سارتِّب الغرفة، لا تقلق!" وحالاً، عادت الغرفة إلى حالها. وسمع النجمة تقول له، "واخيراً، سنلتقي! إنَّها أنا."
     فجأة سمع ساعته تتكتك. رأى زميله يُسنده بيديه. "أنتَ بخير؟ ما رأيك بكأس من الشاي؟" سأله زميله. كحَّ بعنف. ارتاح حين بصق البلغم الاخضر في محرمته. مسح بها شواربه وذقنه. تعمَّد ألا ينظر إلى المدعوة رنا، التي كان ينتظرها منذُ أمد طويل. لكنَّه شعر بأنَّ هذه المخلوقة التي صافحها للتو هي الانسانة التي سترافقه طيلة عمره. لماذا شعر بأنَّ النجوم لا تكذب؟
-" اهلاً وسهلاً!" قال لها وجلس ليواصل عمله. كلا، لم ينظر في عينيها مباشرة. لم يشعر بأنَّ الوقت قد حان بعد. اللعنة، لماذا لم يشترِ نظارات سوداء. لماذا يحب أن يحرج نفسه؟
-" كان بإِمكانك أن تبتسم!" قال له زميله وهو يضع كأس الشاي على طاولته. "على الأقل كان بإمكانك أن تنظر اليها!"
     كان يرتشف الشاي. اصطكَّت اسنانه بحافة الكأس. أراد أن يراها. سيخرج اليها بحجة أنَّ عليه أن يقضي حاجته. مرَّ بمكتب الاستقبال ونظر حيثُ تقف رنا. اقترب منها. رآها تبتسم امامه ابتسامة عذبة تقطر ألفة غريبة، ثم اطرقت رأسها خجلاً، وارتدت نظارة قاتمة.
قال لها، "نظارة جميلة، ساشتري مثلها."
قالت له، "إنني أؤمن بأنَّ النجوم لا تكذب!"
قال لها، "وانا أرى جدران غرفتي عارية كلَّ يوم!"
قالت له، "قلتُ لصديقتي أمس: لا أريد أيَّ زوجٍ كي يكون حائطاً اتكأُ عليه!"
قال لها، "رنا، اسم جميل جداً."
قالت له، "الجميع غرباء!"
قال لها، "لماذا تضعين نظارة سوداء؟"
قالت له، " اشتريتُها لِمَنْ بوسعه أن يحتلَّني!"
قال لها، "ساعتك متأخِّرة!"
قالت له، "لماذا لم تسمح لي بان انظر في عينيك؟"
قال لها، "منْ انتِ؟"
قالت له، "استيقظتُ صباح اليوم وأنا احسُّ بنشوة غريبة."
قال لها، "انا انسان غريب الاطوار!"
قالت له، "هل تحبُّ النجوم كثيراً، مثلي؟"
قال لها، "إِياكِ أن تكسري ساعتكِ! أنا لم اكسرها صباح اليوم."
قالت له، "هذا العالم الصغير لا يتَّسع للاسرار التي ساُفضي اليك بها."
قال لها، "هل تحبين الاطفال العراة والملائكة والفراشات؟"
قالت له، "فيروز هي ملكة النجوم والاقمار والأغنيات الشجيِّة."
قال لها، "أنتِ لا تعرفين من اكون! لا أحد في الدُّنيا يعرفني!"
قالت له، "كلُّ الدُّنيا رأتني منذُ آلاف السنين، فمن يا تُرى عرفني؟"
قال لها، "لماذا لا تخلعي نظارتك؟"
قالت له، "وأنا أيضاً أريد أن اخرج من هنا!"
قال لها، "أنتِ كثيرة جداً!"
قالت له، "وأنا لم يعُد بوسعي أن اطيق هذا التجلي!"
قال لها، " لا بُدَّ إذن من الرحيل!"
قالت له، "إِنَّهم في انتظارنا الآن!"
     صمتا. كانت ساعتاهما تتكتكان. والله كانتا تتكتكان. مدَّ يده نحوها. تعانقت الاصابع. تشبَّثت بيده. خرجا من الصحيفة. كانت حشود هائلة من البشر في انتظارهما خارج البناية وهم ينوحون ويولولون ويتدافعون كالقطعان في كلِّ اتجاه لينجوا بحياتهم من فيضان زهري كان يطفح من المجاري ويغمر كلَّ شيء امامه، وكانت ساعاتهم جميعاً تتكتك. كانت النجوم تقع من السماء، والاطفال يموتون حالاً بين أيادي آبائهم، والملائكة تلاحقهم الشياطين وتضلِّلهم، والازهار تذبل وتذوي، والفراشات تتساقط صرعى بلا الوان.
قال، "كلُّ ما اريده هو بيت صغير نزيِّن جدرانه باللوحات والصور والمسامير!" قالت، "ونطرشه بالسائل الذي يعجُّ بالنجوم والفراشات والاطفال العراة والملائكة والطيور!"
     حالاً وقف كريم ورنا امام احدهما الآخر، نزعت النظارة عن عينيها. اقتربا دون عناق، دون قُـبَـل، دون لمسات اصابع، هكذا كمحاربين على وشك النزال. كانت ساعتاهما آنئذٍ تتكتكان، واللهِ كانتا تتكتكان. اقتربا اكثر فاكثر حتى رأى داخل عينيها عالماً مسحوراً لا نهاية له، ورأت داخل عينيه عالماً خلاباً لا حدود له. نادتهما المخلوقات اللطيفة في اعينهما، فولجت رنا في حدقتي عينيه بينما ولج كريم داخل حدقتي عينيها. ولم يلتقيا بعد ذلك طوال حياتهما أبداً، أبداً.
14 تشرين ثانٍ 1996
 
 

المراجع

موسوعة القصة السورية

التصانيف

الادب