يعود الشتاء هذا العام مبشرا بموسم جيد بإذن الله. وليس لنا إلا الأمل الكبير بالله تعالى أن ينعم علينا بالماء، ولكنا بحاجة لتكرار القول والتذكير بأننا بحاجة لإعادة النظر في أسلوب حياتنا ليتلاءم مع الشتاء والفصول الأربعة. وأظن أن السياسة والإدارة ستؤول في المحصلة إلى أن نجيب عن السؤال: "كيف نعيش حياتنا؟ كيف ندبرها؟". فقد نسينا في العقود الماضية علاقتنا بالفصول الأربعة والطبيعة والبيئة، وربما نكون اليوم بحاجة، بعد مناطحة طويلة مع الطبيعة والجغرافيا، لندرك أننا كنا "كناطح صخرة يوما ليوهنها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل".
ما الذي يمكن أن تمنحنا إياه الطبيعة مجانا أو بتكلفة قليلة، ونستغني به عن الاستجلاب المكلف للاحتياجات نفسها، الماء والطاقة والإضاءة والدفء والتهوية والشمس.. والجمال؟ اليوم، في أزمة المياه والطاقة التي تثقل علينا، نحتاج إلى جدية مجتمعية وحكومية وشركاتية في استحداث أنظمة بناء توظف الشمس والطبيعة والموارد المتاحة في الحصول على الماء من غير تكلفة، وعلى الضوء والدفء والتبريد والتهوية والإضاءة، سواء بأنظمة تصميم المباني أو باستخدام الطاقة الشمسية. لم يعد مقبولا أن يصمم المقاولون حياتنا ويقرروا لنا كيف نعيش وندبر احتياجاتنا، لقد تحولنا إلى مستخدمين للمقاولين وليس العكس. المهندسون، للأسف الشديد، يوظفون الخبرات والعلوم التي حصلوا عليها لخدمة تجارة العقار والمقاولات بدلا من تطوير أنظمة بناء وتصميم تساعد الناس على تحسين حياتهم بتكاليف أقل أو بالاستفادة من الطبيعة.
وبمناسبة الشتاء، فلا يبدو أن العمليات المنزلية أو المشروعات الصغيرة والمتوسطة لجمع مياه الأمطار للبيوت والريّ وتحسين المياه الجوفية تؤخذ بجدية واحترام. وما نزال نهدر الماء برغم أننا الأفقر مائيا في العالم. ولا تتيح بيوتنا التي ننفق عليها ربما أكثر من أي مجتمع آخر في العالم، ما نحتاجه وما نتوقعه منها، إنها أفران في الصيف وثلاجات في الشتاء، ولا تحتمل المعيشة فيها إلا بتدخلات تقنية مكلفة ونادرة، فحياتنا ومدننا وبيوتنا ومرافقنا تخطط بدون اعتبار لشتاء أو صيف، ولا وفق احتياجات الناس وما يتوقعون (لم يعد الناس يتوقعون، وهذه مشكلة أخرى كبيرة)، الحصول عليه في البيوت والأحياء والمدن.
وتدمير الأودية والمسارات الطبيعية للمياه وانتهاك "حرمتها"، كما كان الناس يعتقدون، يعطل فرص الفائدة وتجنب الضرر ويزيد العبء على شبكات الصرف والطرق والبيوت أيضا. ونرى في كل عام تقريبا كيف تتدفق مياه الأمطار لتغرق البيوت وتؤدي إلى وفاة الناس لسبب بسيط وواضح، هو تجاهل حقيقة أن المياه تسقط في الشتاء وتتحول إلى سيول، ويمكن أن تدمر، ويمكن أيضا أن تكون مصدرا للشرب والريّ.
يجب أن ندرك (حكومات ومجتمعات) هذه الحقيقة قبل التفكير بالحلول المكلفة والجبارة، والتي قد لا نقدر عليها.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد