الاحتفالات التي تخطط لها وزارة السياحة بمناسبة مرور مائتي عام على اكتشاف البتراء، تعبر عن مغالطة كبيرة جدا وعدم احترام للذات، بل ومبالغة في تحقير الذات. فهل كانت البتراء مجهولة قبل زيارة بيركهارت لها؟ وكيف اكتشفها بيركهارت؟ هل كانت مدفونة تحت الأرض على سبيل المثال ودلّنا عليها بيركهارت؟ كيف نقبل بأننا كنا مجهولين حتى اكتشفنا زائر قادم بمعونة وحماية الأدلاء والناس في المنطقة؟ هل كنا نجهل حضارة الأنباط ومدنهم وإنجازاتهم؟ هل كنا نجهل أنفسنا؟ هل نحن غير موجودين/ مكتشفين حتى يأتي زائر غريب ويعرف بوجودنا؟ هل ما لا يعرفه الغرب غير موجود؟ هل كان كتاب الفلاحة النبطية الذي ما يزال منذ ألفي سنة مرجعا علميا زراعيا وفلسفيا ودينيا، والذي يسجل تراثا إنسانيا يعود إلى آلاف السنين والذي ترجم من السريانية إلى العربية قبل ألف سنة، مجهولا أم أن بيركهارت اكتشفه أيضا؟
لا بأس أن تسعى وزارة السياحة في تسويق البتراء واجتذاب السياح والزوار إليها، ولكن ليس على أساس مغالطة تاريخية مهينة لنا. كيف نقدم كل هذا التاريخ والوجود الملحمي والمتواصل، والحضارات والصراعات على الآثار على أنها ظلت مجهولة غير مكتشفة لمئات وآلاف السنين؟ هل كان الأدلاء الذين قادوا بيركهارت إلى البتراء لا يعرفونها؟ أم يحسبونها شيئا آخر؟
نظلم أنفسنا ونسيء إليها بقبولنا بهذه المقولة المخزية، فالبتراء والأنباط والمنطقة أكبر من أن تنسب إلى مقولة سخيفة بالغة السخف عن اكتشافها على يد شخص جاء إلى المنطقة قبل مائتي سنة محاولا التعرف عليها. كيف تقبل وزارة السياحة والحكومة باختزال آثارنا وتاريخنا وحضارتنا باللحظة/ المصادفة التي عرف عنها شخص ما قادم من الغرب؟ كيف نقبل بأن نرى أنفسنا مجهولين أو غير موجودين حتى يعلم عن وجودنا عابر سبيل؟
وحتى بالمعايير الغربية المركزية، فإنها مقولة متهافتة عن اكتشاف البتراء قبل مائتي سنة، فهل كان حصارها واحتلالها العام 106م على يد الإمبراطور الروماني تراجان مجهولا؟ وعندما أسس تراجان المقاطعة العربية وعاصمتها البتراء، هل كان يجهل ما يفعل؟ وهل ظل الغرب يجهل ذلك حتى العام 1812؟
أعتقد أن تقديم أنفسنا للغرب على هذا النحو لا يعجبه ولا يجذب السياح، فكيف سيقبل السياح والزوار الأجانب المجيء إلى مكان مجهول مغمور لم يكن يعرفه أحد سوى عابر سبيل؟ نحتاج أن نسوّق الآثار والتاريخ والمنطقة لدينا على أساس أهميتها وشهرتها ودورها الحضاري العالمي والمؤثر، فهذا ما يعجب الناس ويشدهم، وليس أن نقول لهم تعالوا زوروا مكانا جميلا ظل مجهولا حتى عرفنا وعرفتم عنه قبل مائتي سنة، وربما بالمصادفة! فإذا لم نحترم تاريخنا لن يحترمه الآخرون.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد