في الندوة الحوارية التي نظمها مركز الدراسات الاستراتيجية بالجامعة الأردنية مع الأستاذ صلاح الدين الجورشي، بدت الحركة الإسلامية التونسية في مأزق كبير برغم الأجواء الإيجابية التي أشاعتها حركة النهضة، وبخاصة رئيسها الأستاذ راشد الغنوشي. صحيح أن الحركة الإسلامية تبدي قدرا كبيرا من الاستعداد للمشاركة بالديمقراطية والقبول بالحريات، ولكنها تواجه، بتقدير الجورشي، ثلاثه تحديات كبيرة؛ أولها الحريات الشخصية والاجتماعية، وثانيها التحدي الاقتصادي، وثالثها القدرة على تشكيل حالة إجماع وطني للنهوض بالبلاد والتأسيس لمرحلة جديدة ومعقدة.
وبرغم أن الحركة في تونس بدت للمشاركين في الندوة من الأردنيين حالة متقدمة على نظيرتها في الأردن والمشرق العربي بعامة، فإنها تبدو غير مستعدة بعد لإطلاق حالة من الحريات الفردية والاجتماعية، أو أنها مرتبكة تجاه المسألة بين عدة ضغوط واتجاهات متباينة، ولا تملك وحدها القدرة على النهوض الاقتصادي والتنموي بالبلاد التي تعاني من آثار تدمير وفساد منهجي ومتراكم.
بالطبع، فإن نجاح الحركة الإسلامية في تونس ليس مستحيلا وإن كان صعبا. والمشكلة اجتماعيا هي انقسام المجتمع التونسي نفسه، ولكنها يمكن أن تبحث عن مداخل الإجماع، مثل النهوض الاقتصادي بالبلاد، والعدالة الاجتماعية، وتستطيع بذلك تجنب الانقسام ومواجهة الانحياز إلى فئة اجتماعية ضد فئة أخرى، وإن كان ثمة قضايا تبدو لكثير من مؤيدي حركة النهضة الإسلامية أنها تثقل على ضمائرهم ولا يستطيعون القبول بها، لأنهم يرونها مخالفة صريحة للشريعة الإسلامية؛ مثل قانون التبني الذي يتيح تبني الأطفال ومنحهم اسم المتبني، ومنع تعدد الزوجات. وعلى أي حال، فإن إباحة التعدد لا يعني وجوبه، بمعنى أنه ثمة مجالا لمنع المباح إذا قدرت الهيئة التشريعية للبلاد ضرورة ذلك، ليس على سبيل الإباحة أو التحريم، ولكن لاعتبارات اجتماعية وعامة، بمعنى أنه يمكن السماح بها إن تغيرت الظروف المنشئة للمنع. وعلى أي حال، فالمسألة ليست بأهمية العدالة الاجتماعية والنهوض الاقتصادي، ولكن أهميتها انتخابية فقط، وبخاصة أن جمهور الحركة الإسلامية سيواجه انتخابات قادمة، ويحتاج أن يقرر إن كانت هذه المسائل حاسمة في الاختيار وإعادة الانتخاب.
وتبقى المجتمعات هي القوة الحاسمة والتي تقرر أولوياتها وتتبعها. ولذلك، فإن الخوف ليس من اتجاه الحركة الإسلامية، ولكن يجب أن يكون من المجتمعات وقدرتها على الوعي بأولوياتها والتشكل حولها. والناس الذين أسقطوا أعتى الدكتاتوريات يجب أن يكونوا قادرين على النهوض والتشكيل الاجتماعي والثقافي حول النهضة، ولكنها ويا لشديد الأسف ليست فكرة حتمية، وليست مقولة دائما صحيحة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد