توجد في التراث العربي والعالمي مجموعات من القصص والروايات التي لا يعرف مؤلفها، مثل ألف ليلة وليلة، والزير سالم، والسندباد، وعلاء الدين، وليلى والذئب، وسيرة بني هلال، وأصبحت ملكا عاما يمكن أن تخضع أيضا لتعديل وتطوير.
ماذا لو طرحت قصص على الإنترنت وتركت لجميع الناس ينشئون لها مسارات وأحداثا مختلفة ومتعددة وتمضي إلى ما لا نهاية؟
السؤال بالطبع ليس من عندي، فقد طرحه على الدوام مفكرون كثيرون، بل واقترح بعضهم "نهاية المؤلف"؛ بمعنى أن تتحول القصص والأفلام والروايات والحكايات إلى "مشاع إنترنتي" يدخل فيها الناس المشاهد والنهايات والمسارات والحكايات كما يشاؤون، ويمضون فيها في مسارات لا تتوقف. يمكن أن يجعلوا "ليلى والذئب"، مثلا، قصة غير منتهية، تتواصل أحداثها وحكاياتها ومغامراتها، ولا تكون أيضا في مسار واحد محدد، ولكن يمكن أن يمضي بها كل زائر للإنترنت في مسار مختلف للآخر، وكذلك الأفلام والروايات.
ليس المقصود هنا مناقشة فكرة كتب بلا مؤلفين أو مشاعية الأفكار والروايات والأفلام لتصبح بلا نهاية ولا مسار محدد وأن تكون مفتوحة لكل من يشاء ليعدل ويحرر (موسوعة ويكيبيديا على سبيل المثال تحولت إلى قاعدة معرفية يشارك في تأليفها وتحريرها جميع الناس)، إلا بمقدار ما يساعدنا على البحث في الفكرة التي أردت مناقشتها، وهي أن المدونات تنشئ سؤالا وجوديا: من هو الكاتب؟ هل بقي مجال لوظيفة اسمها الكاتب الصحفي؟ ماذا بقي للأعمدة والتعليقات الصحافية من دور أو شأن؟ لماذا تتحمل الصحف نفقات مالية كبيرة لتوفير خدمة سيجد "الزبائن" مثلها وأفضل منها في المدونات؟ فالعالم يبدو أنه تحول إلى أمم من المدونين، وكأنه لم يعد ثمة حاجة لصحافة وصحفيين.
الحالة تشبه أن يمتلك جميع الناس القدرات والمهارات اللازمة لمعالجة أنفسهم (وأتوقع أنها حالة قادمة، وقد يشهدها جيلنا)، وسيكون لدينا سؤال: ما معنى طبيب؟ وفي فرص تعليم الناس لأنفسهم ما يحتاجون إليه تقريبا سينشأ سؤال: ما معنى معلم وأستاذ؟ ما معنى مدرسة وجامعة؟ وأتوقع أيضا أنها حالة بدأت بالتشكل بالفعل، وهي قدرة الناس على تعليم أنفسهم، ولدينا اليوم قضايا مثل التعلم الذاتي والتعليم المستمر والتعلم أثناء العمل. والفتوى أيضا والتي شغلت الناس تتحول أو معظمها يمكن تحويله إلى برنامج كمبيوتر جاهز ومعد يتيح للناس، بلا حاجة لوساطة علماء الشريعة، كل أو معظم ما يحتاجون إليه في الفتوى والعلم. وعندما أقول معظم فلا أعني بالضرورة أن ما تبقى سيكون علماء الدين قادرين على تقديمه وما يقدرون على تقديمه سيتحول فورا إلى خدمة متاحة ومبرمجة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد