لم يفهم أحد من أسرتي لماذا اشتريت من "السوبرماركت" كميات كبير من البسكوت (إياه الذي عرفناه في المدرسة) والراحة. ولكن، ويا لشديد الأسف، فإن المشروع أجهض روعة الذكريات والطعم الرائع المدهش العالق في الحلق. لم أجدها ممتعة ولذيذة كما هي في الذاكرة، عندما كانت العملية تمثل أقصى متعة يمكن الحصول عليها في الفسحة المدرسية بقرش واحد؛ علبة بسكوت وقطع من الراحة يصنع منها ألذ فطيرة حلوة! ولم يكن ذلك القرش متاحا كل يوم! فيظل البسكوت والراحة حلما جميلا زاهيا، وحسرة في القلب أيضا. بقيت كميات البسكوت والراحة مكدسة في البيت؛ الأولاد سخروا من بابا، والمدام التي نشأت في الكويت والإمارات لم تستوعب القصة.. والأسوأ من ذلك كلّه سقطت الهالة العظيمة التي استمرت أكثر من أربعين سنة للبسكوت والراحة!
عندما استعدت القصة مع مجموعة من أبناء جيلي القادمين من محافظات مختلفة لنلتقي ونتعارف في عمان، أمضينا سهرة طويلة حتى الفجر في قصص متطابقة حدثت مع كل واحد منا كما حدثت تماما مع الآخرين؛ القرش الذي لم يكن متاحا كل يوم، ملابس الأطفال في كتب القراءة (قرأنا كتب خليل السكاكيني، راس روس، وإلى المدرسة، والخيوط الذهبية..) التي تثير حسرتنا، من أين يأتي هؤلاء الأطفال بمثل هذه الملابس الرائعة؟ الحوار الجميل بين الأستاذ والتلاميذ الذي لم يحدث مثله أبدا في مدارسنا، الصورة المثالية عن أسر تبدو تعيش في المريخ! والتي لم نصدقها، الأمراض نفسها التي أصبنا بها وأصيب بها جميع طلبة المدرسة؛ الأمراض الجلدية، والغدة النكافية (أبو دغيم)، والحصبة، والتيفوئيد، وجدري أبو حمار، الإفطار الواحد المتشابه مثل صلاة الصبح؛ الزيت والزعتر، الضرب في المدرسة بسبب وبدون سبب، وفي أحيان كثيرة لأجل المتعة والتسلية! وجبة السردين الرائعة. لم يكن أحد يغير ملابسه عند النوم، وأحيانا ننام والأحذية في أرجلنا. ولم يستخدم أحد فرشاة الأسنان، أحدهم عندما كبر وصار يستخدم فرشاة الأسنان أصيب بالتهاب في اللثة! البرد القارس والأسنان المصطكة والأصابع غير القادرة على الإمساك بالقلم، لأنه وببساطة لم يكن ثمة مجال لملابس شتوية إلا إذا استغنى الكبار عن أحدها. وحتى في الثانوية وعندما كانت درجات الحرارة دون الصفر لدرجة أن الأحذية كانت تتشقق، كنا نتناوب على ارتداء جاكيت أحدنا. وجاكيته هذا اشتراه من "السيل" بأربعة دنانير ونصف دينار! جدل طويل ومراهنات في الجامع لمعرفة الاسم الصحيح لأنواع من الفاكهة، وأخطأنا جميعا، ثم عرفنا أنها الإجاص والأخرى هي التوت، أحدهم جزم بأنها قلوب دجاج!
أحدهم لم يعرف الموز حتى تخرجه من الثانوية، هو اليوم أستاذ دكتور في إحدى جامعاتنا، والآخرون طافوا العالم وحصلوا على أعلى الشهادات العلمية.. وجميعهم حاولوا تناول كميات كبيرة من البسكوت والراحة وصدموا بأنها مختلفة عن الذاكرة!.. "اللي بعرف الفقر بظله يهوجس فيه".

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد