يستخدم أرغون أبادوراي (في كتابه "الخشية من الأعداد الصغيرة") مصطلح الهوية المفترسة؛ ويقصد به الظاهرة المتولدة عن تواجد هويتين أو أكثر لها تاريخ طويل من الاحتكاك والاندماج، وحدا معينا من التنميط المتبادل، وتتحول إحدى هذه الهويات إلى هوية مفترسة بتعبئة تعريف نفسها على أنها أغلبية مهددة. وهذا النوع من التعبئة هو الخطوة الأولى في تحول هوية اجتماعية أليفة إلى هوية مفترسة، هوية تدعي أن بقاءها يتطلب انقراض مجموعة أخرى. وكثيرا ما تكون الهويات المفترسة هويات أغلبية، أي أنها تركز على مطالب في صالح أغلبية مهددة، وهي في معظم الحالات أغلبية ثقافية أو لغوية أو عرقية تنشد ارتباطا حصريا أو شاملا بهوية الأمة. وغالبا ما يتمحور خطاب هذه الأغلبيات المعبأة حول إمكانية تحولها هي ذاتها إلى أقلية ما لم تنقرض أقلية أخرى. يبدو أن المقومات التاريخية لهذا التحول تشمل الاستيلاء على الدولة من قبل أحزاب أو جماعات وضعت رهاناتها السياسية على نوع من الأيديولوجيا القومية العنصرية، وتوافر أدوات وتقنيات التعداد مما قد يشجع المجتمعات التي يتم إحصاؤها بأن تصبح أنموذجا لفكرة المجتمع ذاته، وعدم التطابق المحسوس بين الحدود السياسية وهجرة الجماعات وعدد الجماعات البشرية، والذي يسفر عن تحفز تجاه المجموعات الأخرى المتروكة سياسيا أو الغرباء الذين يدّعون كونهم من نسب قريب، وحملات الترهيب الناجحة التي تستهدف الأغلبية العددية وتقنعها بأن وجودها مهدد بالفناء من قبل الأقليات التي تعرف كيف تستخدم القانون وكامل أجهزة السياسات الديمقراطية الليبرالية لتحقيق غاياتها الخاصة. وإلى كل هذه العوامل تضيف العولمة طاقاتها الخاصة.
إن الفجوة الصغيرة بين وضعية الأغلبية كأغلبية والنقاء العرقي والقومي المكتمل أو الكلي قد تكون مصدرا للغضب المستشيط ضد المجموعات الأخرى المستهدفة، وهذا يمكننا -برأي أبادوراي- أن نرى كيف أنه في الأيديولوجيات العامة حول هوية المجموعة، يمكن للجروح النرجسية أن تصعد، وتصبح دافعا لتشكيل "الهويات المفترسة". والمحرك الأساسي هنا هو خاصية التبادلية الداخلية بين فئتي الأغلبية والأقلية؛ فالأغلبية كمقولة تجريدية تنتجها تقنيات الإحصاء والتعداد والإجراءات الليبرالية يمكن تعبئتها دائما لتعتقد أنها مهددة بأن تصبح أقلية (ثقافيا أو عدديا)، ولتخاف من أن تصبح الأقليات أغلبية بين عشية وضحاها. وهذه المخاوف المترابطة هي نتاج حديث للتبادلية الداخلية لهاتين الفئتين، وهي بدورها تشكل الظروف اللازمة لتحريك خشية تبادل المواقع بينهما.
وتزيد العولمة في إمكانية حدوث تبادل المواقع، فتجعل الحياة الطبيعية المفترضة للهويات مهددة على الدوام. وينشئ التدفق العالمي صورة الأنا والآخر التي تسوقها وسائل الإعلام وتحولها في بعض الأحيان إلى سلعة، حيث أصبحت فكرة الأقلية بطريقة ما قيمة سياسية مشتركة تمس جميع الأعداد كبيرها وصغيرها.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد