استدعت الأجهزة الأمنية في بلد عربي (ليس الأردن، والله العظيم) مواطنا للتحقيق معه لأنه ليس عنده موبايل. القصة حقيقية ومؤكدة، وأظن أنه أمر يدعو إلى الريبة أن يكون مواطن قادر ماليا في بلد غنيّ جدا (تلميح مقصود إلى البلد) يصر على عدم امتلاك موبايل. ولكن من الملفت جدا في بلد فقير مثل الأردن أن يتجاوز فيه عدد خطوط وأرقام الموبايلات عدد السكان!! 
كان مبتدأ الموبايل أنه للأعمال والمصالح، وبخاصة التي تتطلب التواجد بعيدا عن المكاتب والمدن. وهي طورت من أجهزة "ووكي توكي" التي يستخدمها/ كان يستخدمها العاملون في الأمن والجيش والشركات المتخصصة في الطرق والتنجيم والنقل والمشاريع البعيدة عن العمران. وكان جهاز "ووكي توكي" يستخدم مثل شارة أمنية، ولانتحال صفة موظفي الأمن!
كيف ولماذا تطور جهاز الموبايل إلى عمليات اجتماعية وثقافية واقتصادية مركبة ومتداعية وأصبح جزءا من شخصيتك، كأن اسم عائلتك هو رقم موبايلك، فلا تعرف إلا به. وعندما ذهبت للعمل في قَطر قبل 5 سنوات، وذهبت في اليوم التالي لتسجيل نفسي في دائرة الجوازات والإقامة (هناك في دول الخليج دائرة الجوازات جزء من الأمن العام، وموظفوها ضباط أمن)، كما تقتضي الأنظمة، طلب مني في تعبئة النموذج أن أضع رقم موبايلي. كنت قد أُعطيت بالفعل فور وصولي إلى المطار شريحة موبايل، فذلك جزء متبع من الأنظمة يشبه كثيرا ختم الدخول على جواز السفر. ولم أكن أتذكر رقم موبايلي الجديد، فأزاح ضابط الجوازات معاملتي بعيدا وقال هات رقم موبايلك وارجع لي. طبعا الرجوع للموظف يحتاج ربما إلى أربعين يوما على الأقل مع وجود الطابور الطويل اللانهائي من القادمين، والذين لا يقل عددهم عن ثلاثة آلاف كما تقول الصحف، ولكني أظن أنهم مائة ألف أو يزيدون! وتكون قد فقدت مهلة الـ48 ساعة لتسجيل نفسك، وتتحول إلى غير قانوني وخاضع للتحقيق والترحيل. كل ذلك لأنك لا تعرف رقم موبايلك، وربما تكون متهما ومحتقرا أكثر من المخالفين الآخرين، كأنك لا تعرف اسمك، وربما تخفي هويتك!
وفي الحياة الشخصية واليومية نبدو وكأننا نعيش في موبايلاتنا؛ التواصل مع العالم، والبيع والشراء، والمسجات الإخبارية والفكاهية والشخصية، وتصفح الانترنت والفيسبوك والتسلية. أحد الأصدقاء تأخر عن موعد بيننا، فيفسر ذلك قائلا: والله لقيت بيت وتأخرت شوي حتى اشتريته، فتكتشف أنه يتحدث عن بيت الموبايل، وكان سبب التأخير أن "بائع البيوت" لم يكن لديه فكة! وليس بسبب إجراءات التسجيل كما فهمت للوهلة الأولى. وفي المجلس كان يتحدث كثيرا عن البيت الجديد والبيت القديم.. طبعا بيت الموبايل. يجب أن تعرف ذلك، فنحن نعيش في موبايلاتنا!
والموبايل يدلك على الطريق، بالوصف على الخط مباشرة، او بالخرائط المزود بها الموبايل. وإذا نسيت الموبايل، سوف تضطر للعودة إلى البيت وإحضاره، كم مرة عدنا إلى البيت لنحضر الموبايل! 
وهناك ثقافة وسلوك اجتماعي مرتبطان بالموبايل.. ولكن نفدت المساحة المخصصة للمقال.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد