في فهم العقل السياسي للدولة، يجب أن نتذكر، ونحتاج إلى تكرار هذه الملاحظة: إن الدولة الأردنية الحديثة أنتجت وأعادت إنتاج وصياغة المجتمعات والأسواق، وهذا مختلف عن معظم الدول والمجتمعات في العالم، حيث كانت الدولة ومؤسساتها تعبيرا عن تفاعلات وتطورات السوق والمجتمع. ليس لأن المجتمعات والأسواق لم تكن قائمة في الأردن قبل قيام الدولة الحديثة، ولكن عمليات التحديث التي جرت كانت تسلك وبوعي مسبق إلى إنشاء نخب ومؤسسات وأسواق ومجتمعات جديدة مختلفة عن المجتمعات والأسواق التقليدية القائمة. لماذا لم تطور الدولة المجتمعات والأسواق؟ لماذا لم تشركها في عملية التحديث؟ لماذا لجأت إلى تحطيمها/ إلغائها/ تهميشها/ تجاهلها/ إقصائها؟ الكثير من عمليات التحديث كانت تجرى بحسن نية بهدف التطوير والتحديث، كما أن بعض القوى الاجتماعية قاومت التحديث، ولكن الكثير من عمليات بناء الدولة رافقها إنشاء نخب جديدة مختلفة عن سياق وتطور المجتمع المحيط!
أنشئت العاصمة بعيدا عن المدن التقليدية القائمة (السلط، إربد، الكرك، مادبا..) لتكون مدينة جديدة تتشكل حول الوافدين إليها، ولأجل النخب الجديدة والمتسربين إليها من شركاء أو أتباع. والكثير من القادة السياسيين والبيروقراطيين جاءت بهم قرارات من الدولة، وليس عمليات تنافس عادل على الفرص. والكثير من رجال الأعمال والتجار صنعتهم الدولة بقرار سياسي أو بيروقراطي، وليس ضمن عمليات السوق الطبيعية. الأغنياء الجدد، والقادة الجدد، احتكروا الدولة والسوق الناشئة (الكوتات التي وزعت للاستيراد والوكالات التجارية، والتخطيط الحضري الهادف إلى رفع أو تخفيض قيمة الأراضي، والعقود والعطاءات مع الدولة ومؤسساتها..)، واحتكروا التعليم أيضا، ووزعت الفرص بقدر كبير من القسوة والاستعلاء، وبناء على علاقات غير صحية بين النخب والدولة.
عندما كان التعليم فرصة للتقدم، أو عنق زجاجة يعبر منها أبناء الحراثين، كان غير متاح إلا بقدر ضئيل. وعندما صار حاجة إلى النخب والقيادات الراسخة وأجيالها المتعاقبة، توسعت الدولة في بناء المدارس، وأقبلت عليها المجتمعات المحرومة والمتلهفة على التعليم.. ولكنها جاءت بعد أن أغلقت وأحكمت قواعد الهيمنة على المجتمعات والأسواق والفرص والعلاقات.. جاءت عندما تشكلت حاجة إلى موظفين وعاملين متعلمين يلبون حاجات جديدة للنخب والأسواق المتطورة، يزيدون مواردها وهيمنتها، ولم تستفد المجتمعات ولا الطبقات الاجتماعية والمهنية الجديدة في تطوير نفسها ولا في المشاركة في التأثير والنفوذ والتخطيط لنفسها ومواردها، ودمجت في منظومة من المدن والأحياء والمرافق لم تشارك في تخطيطها ولا أعدت لأجلها؛ الناس في عمان والمدن الجديدة ملحقون بالمدينة والأسواق والأعمال.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد