"الدين أكبر وأعقد من أن يترك لرجال الدين".
ثمة صعود ديني كبير وجارف. وجعل ذلك من الدين موردا تتصارع عليه السلطات والجماعات والمؤسسات. وبطبيعة الحال، فإن المؤسسات والجماعات الدينية تجد لنفسها اليوم حقا في السلطة والتأثير، وفي احتكار فهم الدين وأحكامه والوصاية على النصوص الدينية. ويبدو أن المسألة اليوم تحتاج إلى جدل ونضال في مرحلة من التحولات السياسية قد تحول الدول والمجتمعات من الدكتاتورية السياسية إلى الدكتاتورية الدينية.
ثمة منظومة واسعة من التطبيقات والأحكام المتعلقة بشؤون الناس الفردية والجماعية. وفي الوقت نفسه، فإن ثمة نصوصا وأفكارا دينية متعلقة بها، وقد تشكل حول بعضها تراث راسخ متراكم التبس بأصل الدين، أو بدأ بمحاولة لفهم الدين وتفسيره، ثم اتخذ مسارا آخر مختلفا عن أصله ومنشئه، وتحول إلى دين "ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله" (آل عمران، الآية 78).
وفي الجدل الدائر اليوم حول الأفكار والمحاذير والتنبؤات المتصلة بصعود دور الدين في الحياة والسياسة، ربما نحتاج أن نوضح ما هو إنساني وما هو ديني، ثم نحدد من الديني ما هو فردي لا علاقة ولا شأن للسلطة أو المجتمع به، وما هو متعلق بالسلطة والمجتمع. وسيكون الجدل بالطبع حول الأحكام والأفكار المتعلقة بالسلطة والمجتمع، إذا استطعنا أن نتفق على الحرية المطلقة في العبادة والاعتقاد والسلوك والفكر.
السؤالان الأساسيان في الجدل حول الدور الديني للدولة، هو هل للدولة دور متعلق باعتقادات الناس وشأنهم الديني أو سلوكهم الفردي والشخصي، سواء كان مخالفا للدين أو متفقا معه؟ وإذا بادرت الجماعات والمؤسسات الدينية إلى فك الارتباط بين السلطة والمجتمع وبين السلوك الفردي في الحياة والاعتقاد والعبادة واعتبار ذلك شأنا يخص الفرد ويتحمل مسؤوليته "فردا" ولا علاقة للسلطة والمجتمع به، فإنه إنجاز متقدم. 
بالطبع، سوف يردّ على هذه المقولة بالسلامة والمصالح العامة التي يمكن أن تضر بها الحريات الفردية. وهو ردّ صحيح، ولذلك سيكون ثمة جدل وخلاف على حدود الاستثناء في الحريات الفردية. ولكنها خطوة متقدمة أن ننتقل في الجدل متفقين على الحريات الفردية إلى الجدل حول الاستثناءات.
والسؤال الثاني هو كيف نوائم بين الاجتهاد والارتقاء الإنساني في الحكم والسياسة، وبين الخطاب الديني الموجه للسلطة والمجتمع؟ الكثير من هذا الخطاب قابل للمواءمة والانسجام، مثل الحريات والحقوق العامة والعدل. وبعضه يحتاج إلى جدل وتوضيح، مثل الفنون والموسيقى والاختلاط والعلاقة بين الرجل والمرأة، ودور المرأة وسلطتها، وضرب الزوجات، والتبني، وتعدد الزوجات، والحدود والعقوبات.
لقد تحول الدين بفعل نشاط المتدينين ورجال الدين، أو حدث ذلك بفعل تطورات وتفاعلات اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية، إلى شأن يفوق قدرة رجال الدين وعلمائه على الاستيعاب والإحاطة وادعاء الانفراد بفهمه ومعرفته، وصار شأناً متصلاً بحياة الناس ومواقفهم وصراعاتهم، وجزءاً من معظم المعارف والتخصصات العلمية. وأصبح رجال الدين وعلماؤه شركاء مع غيرهم، وربما أقل من الكثير من الشركاء الآخرين من العلماء (الدنيويين) والساسة والنشطاء الاجتماعيين، والمستثمرين والاقتصاديين أيضاً.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد